حين يتحدث الواقع تخرص الأوهام ! / أحمد فال ولد أحمد

-A A +A
أحد, 2018-09-23 23:30

أثارت تصريحات رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز،خلال مؤتمره الصحفي الأخير، موجة عارمة من ردود الأفعال والتعليقات التي لم تخلُ في معظمها من السطحية وانعدام الموضوعية وسيطرة الأحكام الجاهزة، وحتى التحامل والبعد عن الإنصاف والتحليل المنطق السليم. ولقد رأيتُ من الواجب الأخلاقي أن أقدم قراءتي الشخصية لأبرز الأفكار التي وردت على لسان رئيس الجمهورية حول المحاور الثلاثة الأبرز في حديثه للصحفيين، ومن خلالهم للرأي العام الموريتاني وحتى الخارجي؛ وذلك انطلاقا متابعتي لتفاصيل لقاء رئيس الجمهورية بممثلي وسائل الإعلام.

سأتحدث هنا بشكل مجمل عن تلك المحاور المتمثلة في تقييم حصيلة ما تم إنجازه في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدفاعية، خلال العشرية المنصرمة بما في ذلك نتائج اقتراع سبتمبر 2018 التشريعي والجهوي والبلدي؛ وكذا المحور المتعلق بالموقف من بعض الأحزاب السياسية ذات الخلفية الفكرية الخاصة، والمواقف المثيرة للجدل، داخليا وخارجيا، على الساحتين السياسية والإعلامية؛ لأختم بالمحور المتعلق بجدلية المأموريات الرئاسية.

كان طبيعيا أن يظهر الرئيس محمد ولد عبد العزيز ارتياحه لنجاح حزبه الحاكم في انتزاع أغلبية برلمانية مريحة تؤمن له الإطار والسند التشريعي لتنفيذ مختلف محاور برنامجه السياسي وإزالة كل ما يمكن أن يعيق تجسيد البرنامج الانتخابي الذي منحه الموريتانيون ثقتهم على أساسه؛ كما كان طبيعيا جدا أن يعبر الرجل عن غبطته وشعوره بنشوة الحصول على تزكية من الغالبية الساحقة للناخبين الموريتانيين الذين بعثوا برسالة عبر صناديق الاقتراع مثلما قال، مؤكدين تقاطع هذا النهج مع تطلعاتهم وطموحاتهم.

لكن تلك الرسالة غير المشفرة أبانت عن رضى الموريتانيين لما تحقق لهم من إنجازات لا يمكن إنكارها لأنها باتت واقعا مغشيا من خلال شبكات الطرق التي فكت العزلة بعد خمسة عقود على استقلال البلد، عن عشرات المدن والبلدات والقرى والتجمعات السكانية التي عاشت أجيال واختفت فيها دون أن ترى وسيلة نقل عصرية في حياتها، ودون أن تعرف بوجود شيء اسمه طريق معبد. تحدث الرئيس عن التطور القياسي في مجالات الصحة والتعليم والطاقة الكهربائية وشبكات الماء الشروب؛ سواء ما تعلق منها بآفطوط الساحلي أو آفطوط الشرقي، أو بحيرة الظهر؛ بالنسبة للمياه، أم بمحطات أنتاج الطاقة الكهربائية الهجينة المتجددة.

غير أن ما فاجأني شخصيا، وأجزم بأنني لست وحدي في ذلك؛ هو كشف رئيس الجمهورية عن حقيقة مؤلمة حقا وتثير الشكوك حول طبيعة نوايا وأهداف وخلفيات من تعاقبوا على الحكم في هذا البلد؛ إذ علم الموريتانيون لأول مرة في تاريخهم بأن في هذا البلد جزء لم تطأه قدما جندي موريتاني طيلة الفترة الممتدة ما بين 1975 و 2010 ! كان ذلك في بلدة عين بنتيلي بولاية تيرس زمور.

حقيقة تقودني، للحديث عما ذكره الرئيس في مؤتمره الصحفي حول التطور الملحوظ الذي شهدته القوات المسلحة الوطنية وقوات الأمن خلال العشرية المنصرمة حيث انتقلت من وضعية كانت تتعرض فيها لهجمات إرهابية فذبح أفرادها بدم بارد، إلى قوة عسكرية ضاربة لاحقت التنظيمات الإرهابية إلى خارج حدود الوطن، وأصبحت تتقدم فيالق حفظ السلام الأممية في أكثر مناطق القارة الإفريقية التهابا، مثل السودان وكوت ديفوار وجمهورية إفريقيا الوسطى.

على الصعيد السياسي، وفي خضم الجدل الدائر حول سر تمدد حزب "تواصل" المعارض واتساع مستوى حضوره في المشهد السياسي الموريتاني منذ انتخابات 2013 البلدية والتشريعية، ثم في الاستحقاقات الأخيرة؛ لم يزد رئيس الجمهورية في حديثه عن هذا الحزب على ما يعرفه كثيرون في موريتانيا بشأنه؛ وأن كان استخدم أوصافًا قد لا أجد من المناسب التذكير بها في هذا المقام خاصة وأنني لست ملما بكل ما لدى الرئيس، بحكم مركزه في صدارة صنع القرار، من معطيات ومعلومات تتيح له ما لا تتيح لغيره.

تحدث الرئيس عن اتخاذ الحزب شعار الدين الإسلامي في بلد يدين جميع سكانه بالإسلام، وهذه معلومة لا يختلف عليها اثنان في موريتانيا؛ كما تحدث عن انتهاز قادة حزب "تواصل" فرصة مقاطعة أحزاب سياسية معارضة عريقة وذات شعبية مشهودة ليستولي (لا أقول ليسرق) ناخبيها الباحثين عن أي طريق يتيح لهم التصويت ضد الحزب الحاكم؛ وهنا لا أحد ما يمكن أن يفند هذا الطرح خاصة أذا ما راجعنا مستوى الأداء الانتخابي لنفس الحزب خلال رئاسيات 2009.

تحدث الرئيس عن ارتباط حزب "تواصل" بجهات خارجية وهذا تؤكده بالقرائن وحتى المواقف المعلنة لقادة هذا الحزب من الأحداث في بعض المناطق من العالم العربي والإسلامي؛ وحرصهم الدؤوب على الخروج في المظاهرات المؤيدة لتلك الأطراف في نواكشوط بينما لا يسمع لهم صوت ولا يرى لهم شعار حين يتعلق الأمر بأحداث أكثر إلحاحا وقريبا في محيطنا الإقليمي المباشر وحتى داخل موريتانيا.

ولعل شراسة الهجمة التي سارعت جهات خارجية محسوبة على ذات الأطراف التي يتهم تواصل بتلقي الدعم المادي والسياسي والمعنوي منها، على شخص رئيس الجمهورية؛ أوضح دليل على ما ذهب إليه رئيس الجمهورية خلال مؤتمره الصحفي بهذا الخصوص. كل من تابعوا، مثلي، المؤتمر الصحفي لرئيس الجمهورية لاحظوا دون شك أن موضوع المأمورية الثالثة قد طغى على معظم أسئلة الصحفيين الأربعة الذين حاوره، دون استثناء، بل كرر بعضهم السؤال عن المأمورية واحتمال مراجعة المواد الدستورية المتعلقة بعدد المأموريات؛ وبالتالي لم يكن الرئيس هو من أثار الموضوع لا تصريحا ولا تلميحا، بل إنه استغرب، في مرحلة من النقاش، سر اهتمام محاوريه بموضوع المأموريات بالذات رغم الأجوبة التي قدمها لهم ورغم نفيه في مناسبات عديدة أي نية لديه لمراجعة تلك المواد الدستورية.. وذهب إلى حد التساؤل لماذا لا يثير الصحفيون مسألة تحديد السقف الأعلى لسن الترشح لرئاسة الجمهورية والتي تعيق تحقيق طموحات بعض من أبرز القادة السياسيين في البلد. لقد تبين من خلال إصرار الصحفيين على إثارة موضوع المأمورية الثالثة للرئيس ولد عبد العزيز، وتعمد تكرار الأسئلة بشأنها، أنهم جاؤوا إلى لقاء الرئيس بعدما أعدوا أسئلتهم بعناية وطافوا بأهم أوساط الرأي العام من أجل نقل انشغالات الموريتانيين إلى المسؤول الأول في البلد؛ ما يعني بوضوح أن تمديد وجود الرجل في قيادة موريتانيا بات مطلبا جماهيريا ملحا ورغبة شعبية لا مناص من التعاطي معها.

ولئن كان الرئيس محمد ولد عبد العزيز قد أكد التزامه بترتيبات الدستور وتقيده بالقسم المتعلق باحترام المواد المحصنة ذات الصلة بعدد المأموريات، فإنه في الوقت ذاته، لم يجد بدا من التعبير عن تقديره لرغبة الموريتانيين ومطالبتهم باستمرارية الإصلاحات والمشاريع التنموية الكبرى التي يقودها منذ توليه مقاليد السلطة قبل نحو عشر سنوات. لذلك جاء حديثه عن عدم استحالة إجراء أي تعديل دستوري يلبي أرادة الشعب الذي هو مصدر كل التشريعات بما فيها القانون الأساسي، فنبه إلى أن المادة الدستورية التي تنص على منع الرئيس من اتخاذ أو دعم أي مبادرة من شأنها تغيير المادتين المحصنتين؛ تبقى قابلة للمراجعة والتعديل، بمعنى أنها ليست محصنة.

تطرق الرئيس كذلك إلى حقيقة كون وجود أغلبية برلمانية من الحزب تزيد على الثلثين يجعل الحكومة قادرة على تمرير أي نص قانوني أو مشروع مراجعة لأي قانون مسألة محسومة؛ وبالتالي فأن النواب الذين هم ممثلو الشعب وحملة أصواته يبقون الضامن لتجسيد تطلعاته وطموحاته المشروعة بما فيها مراجعة الدستور وتأمين استمرارية نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز ونهجه الإصلاحي التنموي الذي كانت نتائج اقتراع فاتح ومنتصف سبتمبر الجاري أبرز ثماره وتجلياته.