موريتانيا الأعماق، كم هي جميلة حتى في بؤسها الأشعث!

اثنين, 2018-01-29 09:31
المفتش : محمد ولد الطالب ويس

هضبة النعمة أو ظهرها الممتد على تلك المداءات والآفاق التي يحلو فيها للسراب التراقص على شخير الحياة النائمة الناعسة الكسلاء! ذلك الظهر المنبطح على وجهه في غفوة لم ينغصها تعاقب الأنظمة ولا صرير سلاحها ولا صهيل خيلها، ولا دبيب رجلها، ولا حتى جعاجع المواسم!

بل إنه مازال في انبطاحه الرهيب يقلب خديه على وسائد النسيان، سادلا ظهره لبساطة الحياة وبكارتها، لشظف العيش ولظمئه، سادلا ظهره لمخلوقات كأنما هي في أشكالها ونمط عيشها وسقف طموحها تنتمي لعهود ما قبل التاريخ! تحكي الطيور نمط عيش الطيور، وتحكي الأشجار كيف تعيش الأشجار!

أما الغالبية العظمى من الناس فيحكي قصتها ذلك "النمدي" الذي عقد كميه خلف عنقه وتمنطق في وسطه بقطعة قماش، وقد رفع يديه حذو أذنيه ماسكا بهما طرفي عصاه الراكبة فوق منكبيه، كشيف الساقين كشيحهما كسيحهما، ضامر البنية رثها غثها، أحمر البشرة داكنها أشعثها وأغبرها، رشيق الحركة خفيفها وسريعها، تطوقه عدة أكْلُبٍ تشكل معه دائرةً سيارةً هو مركزها، منتهى طموحه أن يحصل على غزال أو عدة أرانب يعود بما تبقى منها بعد كلابه لأفراخ تركها بذي مرخ في بيت شَعَر تحتضنها سفعاء فدعاء من الأمهات فقدت كل علاقة بالأنوثة،،،!

يالَ بعض الجغرافيا، كم هي وفية للتاريخ، وكم هي عصية على خضرة الألسن وعسليتها خصوصا وأن الألسن مجرد عضلات رخوة لم تنبت على عظام! يقال إن لسان المرأة يُعَوِّضُ صلابةً مفقودة في عضلاتها، ونِسَباً معتبرة من المواد المُصَلِّبَةِ للعظام، لذلك فالذكر يتميز في مراحل الطفولة الحركية الأولى بالعنف الحركي، بينما الأنثى تتميز في نفس المرحلة بالعنف اللفظي كما تؤكد الدراسات النفسية للنمو، وحتى لا تستشيط الأنثى غضبا فإن أنثانا هي موريتانيا في عمقها وأعماقها والتي مازالت رغم غزو الأرض للفضاء، ورغم الصورة وثورة الألوان، ورغم تعاقب النسور على "الكسور" ورغم ورغم،، لا تزال موريتانيا في أعماقها تصر على أنها تلك السفعاء الفدعاء التي أعادها ابن حامدون إلى الخباء على قرم ذي سمات أخرم الأنف، ولا يزال أهلها يصرون على أنهم أهل ذلك الخباء المقوض، أما الشاعر فلا يزال مبلغ جهده هو إلقاء تلك المعلقة الموسمية أمام من برمجتهم الأمعاء على الاهتزاز!

جميل جدا أن تعثر على البساطة والعفوية والبكارة على رقعة من أرضك التي تعقدت حتى نفسيات أهلها، إنها حسنة! لكن مؤلم جدا أن يزورك شعور ويهمس في أذنك إنها حسنة من صنع العجز والخيبة لتستقر في ذهنك أخيرا على أنها ليست إلا لوثة من سوء طالع!موريتانيا، تستحق ما هو أفضل!

المفتش : محمد ولد الطالب ويس

تصفح أيضا ...