هكذا رأيتُ حقيقة الواقع في فلسطين / Pierre Péju

سبت, 2018-05-26 22:26

نشرت صحيفة Libération (ليبيراسيون) الفرنسية، قبل أيام، مقالا مطولا للكاتب والروائي الفرنسي البارز، بيار بيجو Pierre Péju ضمّٓنه شهادات حية حول واقع حياة الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال الإسرائيلي...

كتب بيجو:

خلال زيارة فادتني مؤخرا إلى القدس والضفة الغربية، لاحظت أن إستيراتيجية إسرائيل تتمثل في التصرف «كما لو أن» الرغبة في القضاء على شعب (تصنفه خطرا مطلقا على أمنها) تطغى على الواقعية والحكمة والإنصاف..

لقد رأيتُ الجدار الذي يطوق الضفة الغربية والذي ينتهك بناؤه القانون الدولي وقرارات منظمة الأمم المتحدة ولا يحترم حتى الخط الأخضر (الحدود الرسمية منذ 1967).

رأيتُ ذلك الطوق الرمادي بارتفاع ثمانية أمتار، يعزل - ظلما - بيوت المزارعين الفلسطينيين عن بساتين زيتونهم لكي تبقى هذه الأخيرة في الجانب الإسرائيلي..

رأيتُ بيوتا أخرى تحولت في ليلة واحدة إلى أكوام من الركام بفعل جرافات الجيش الإسرائيلي بذريعة أن ذلك الجدار الغريب تم بناؤه على بعد أقل من 300 متر منها، وأن تلك المنازل لا تتوفر على تراخيص بناء (بالكاد تمنح 13% من التراخيص لفلسطينيين بعد خمس أو سبع سنوات من تقديم طلب بذلك)..

رأيت المستوطنات تنتشر في كل مكان من أرض الضفة الغربية، بشكل وحشي لكن بحماية «رسمية» من الجنود الإسرائليين بمجرد ظهورها.. مستوطنات كما في وادي فوكين أو في أماكن أخرى كثيرة هي في الواقع مدن، بل كتل إسمنتية عملاقة تضم ما بين 10 آلاف و 40 ألف ساكن، تخنق قرى فلسطينية بكاملها هجرها سكانها مذعورين بسبب التهديد المستمر..

رأيتُ الطرق السريعة المزينة تربط بين المستوطنات، والطرق الفلسطينية المتردية تمر تحت الأرض حتى لا تتقاطع معها، ورأيتُ التلاميذ الصغار لا يستطيعون الوصول لمدرستهم القريبة جدا إلا بعد مسير ثلاث ساعات نظرا لوجود الجدار العازل دونها..

رأيتُ أحياء القدس الشرقية التي يدفع سكانها نفس الضرائب المحلية التي يدفعها سكان الجانب الغربي، لكن النفايات لا تنقل عنهم، وهؤلاء الفلسطينيون الذين ولدوا في القدس لا يتوفرون إلا على «إذن إقامة» يمكن سحبه منهم بشكل تعسفي..

رأيتُ القرويين الفلسطينيين البائسين قرب ضفة نهر الأردن، يشاهدون، بصمت، مياه أرضهم تسحبها مضخات إسرائيلية فائقة التطور لتوفر أحواض سباحة للمستوطنين، بينما يشتري هؤلاء القرويون نفس المياه في صهاريج متآكلة بفعل الصدأ بأربعة أضعاف السعر الذي تباع به للإسرائيليين..

رأيتُ في الخليل؛ المدينة التي يفترض أنها فلسطينية، ذلك الحي الذي تحول لمنطقة  أشباح، فهو ممنوع على الفلسطينيين من طرف الجيش الإسرائيلي الذي يتدخل أينما شاء ومتى أراد؛ ورأيتُ السوق في موقع مكشوف تطوقه المباني الغريبة التي يقيم فيها مستوطنون تحت حماية الحرس الإسرائيلي، يلقون النفايات والمياه القذرة على المارة الفلسطينيين..

رأيتُ الأطفال المصدومين في مخيم جينين للاجئين؛ صبية أكدوا لي، بابتسامات عابرة، أن كل ما يحلمون به هو أن يعرفوا يوما ما «كيف هو البحر» علما بأن البحر يبعد عنهم أقل من ساعة بالسيارة، لكن معلمتهم ذكرتني بأنهم «لن يروا البحر أبدا» لأنهم، وذووهم، لا يتوفرون على الوثائق الضرورية كي يتجاوزوا «نقطة التفتيش» !

رأيت عند إحدى نقاط التفتيش جندية إسرائيلية شابة شقراء، ترتدي سترة واقية مو الرصاص وتحمل بندقية رشاشة؛ وهي تهين مسنين فلسطينيين بإرغامهم على تفريغ كامل حمولة سياراتهم على الأرض، وتذهب أبعد من ذلك إلى حد شق كل بطيخة لديهم إلى نصفين بحجة أنها قد تخفي متفجرات!

رأيتُ المدرسة تتعرض للتخريب مرارا على أيدي مستوطنين يغطون جدرانها بكتابات عنصرية بعد تحطيم أرجل مقاعد الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ست سنوات، وكذلك يفعلون بالألعاب..

رآيتُ تلك الفتاة التي تشاهد أنوار القدس من شرفة منزل ذويها لكنها لم تزرها قط لأن والدها اعتقل قبل مولدها بيوم واحد؛ وبالتالي عوقبت بان صارت «سجينة» الجانب الأسود للجدار..

لم تكن لدي أي فكرة عن هذا الواقع قبل مجيئي إلى عين المكان، والكثير من الإسرائيليين في تل أبيب أو القدس، لا يرغبون في معرفة ما يحدث خلف الجدار؛ إذ يفضلون تخيل أي فلسطيني وهو يحمل سكينا بيده مناضلا في حركة حماس..غير أن ما اكتشفته، أيضا، لدى العديد من الشباب والأطفال الفلسطينيين، هو تلك الرغبة العميقة في «العيش حياة طبيعية». ومن الغريب أن حالة اليأس الظاهرة تختلط بإرادة صلبة للبقاء.. يستخدمون ما يتوفر لديهم من وسائل متواضعة جدا لإنجاز مهام ثقافية وإنسانية من خلال ترميم وحماية «مواقع تاريخية» ويعيدون بناء ما يتم هدمه بشكل منتظم، ويقاومون، بعزم لا يلين، الاعتقالات التعسفية والصعوبات الاقتصادية..

هذا «التعنت» وهذا الإصرار على «البقاء هنا» يجعلان «حلم اختفائهم» مجرد حلم بالمعنى الكامل للكلمة؛ ما يؤكد أن المنطق، والإنصاف، والطموح البشري في قيام سلام عادل، يستوجب الأخذ في الحسبان الحضور الدائم لشعب لديه، هو الآخر، ثقافة وهوية و..... حقوق!

ترجمة السالك عبد الله المختار / كاتب صحفي

تصفح أيضا ...