المدرسة و التمدرس في بتلميت من 1914-1961

خميس, 2023-05-25 20:52
اسماعيل ولد باهداه

بسط المستعمر الفرنسي نفوذه على موريتانيا، ولا وجود أنذاك لتعليم إلا التعليم المحظري الذي يقدسه الموريتانيون؛ ولا يرون له نظيرا ولا يقبلون به بديلا.

 

من المعلوم أن أول ما يقوم به الفرنسيون في مستعمراتهم، هو تعليم لغتهم ونشر ثقافتهم، وفي هذا يقول القائد السياسي والعسكري المعروف نابليون بونابرت : "إن خدمة الوطن تكمن في تعليم الفرنسية ونشر الثقافة الفرنسية". وعند دخوله مصر أحضر نابليون معه الكثير من المستجدات الثقافية من الكتب والفنون والمكتشفات، وهو أول من أدخل إلى مصر آلة الطباعة. لذا فإن الاستعمار الثقافي أو "الاستنساخي" يجلب فوائد كثيرة للمستعمِر و يلحق أضرارا جسيمة بالمستعمَر .

 

بدأ الفرنسيونمهمتهم "الثقافية" في موريتانيا بفتح مدرسة في مدينة سينلوي (أندر) في السنغال التي كانت عاصمة إقليمية تدار منها شؤون موريتانيا، لكن إقبال التلاميذ على تلك المدرسة كان ضعيفا جدا، وكلما ابتعدنا عن الضفة شمالا يضعف الإقبال، والقلة المسجلة كثيرة التسرب. شكلت الوضعية قلقا كبيرا للإدارة الفرنسية، مما جعلها تبحث عن حل للمشكلة، فاكتشفت أن الموريتانيين لن يقبلوا التعليم إلا في مدارس صحراوية تتقاطع برامجها مع برامج "المحظرة"، ولهذا قررت فتح مدارس في الوطن وسمتها "المدرسة" باللغة العربية، وكانت أولاها في بوتلميت، وأقيمت في العام الدراسي 1913-1914، وعُين لإدارتها الفرنسي جوزيف روجي (Joseph Roger)  القادم من غينيا كوناكري، كما اختار الفرنسيون المعلميْن الأخوين الموريتانييْن ابني أحمدُ با، ببكر ومحمدُ؛ وهما مزدوجا اللغة مشهوران بجدارتهما العلمية وكفاءتهما المهنية.

اقترح الشيخ سيديا بابَا، على المدير زيادة حصة اللغة العربية وإضافة مادة التربية الإسلامية، وبعد موافقته اقترح عليه إسناد المادتين للسيد أحمد ولد مختار فال، وهو شخصية وازنة في المدينة؛ فقيه ونحوي وشاعر مفلق، فألحقته الإدارة بطاقم التدريس، وكان لاقتراح الشيخ سيديا بابَا تأثير إيجابي لإقناع بعض العائلات بإرسال أبنائهم إلى المدرسة. بيد أن الإقبال ظل خجولا؛ فمجموع التلاميذ الوافدين من نواذيبو والبراكنة و الترارزة لم يتجاوز نحو عشرة. أما المسلجون من أبناء بوتلميت فكانوا قلة كذلك، ومن بينهم:  أحمد ولد محمد ولد الشيخ سيديا (آل محمد) ومحمد ولد الراجل ولد البشير وأحمدُ ولد سيدي محمد ولد الطالب ( بابا) وحمدُ ولد أگليل العار ومحمد بونا ولد أمحمد ولد سيدي أحمد (حبون).

 

في يوليو سنة 1914 بدأت الحرب العالمية الأولى، وتسببت في توقف الدراسة إلى غاية 1918، وخلال هذا الفراغ حُول المدير جوزيف وحل بدله آدريان لاروك(Adrian Laroch)  قادما من تونس. ومن التحديات التي واجهته رفض التلاميذ دراسة تاريخ إفريقيا الغربية الفرنسية وكذلك ترديد الأناشيد. طُرحت هذه القضية على الشيخ سيديا بابا، فنصح المدير الجديد بتدريس فصول من مراجع حددها له؛ من بينها أبواب من مقدمة ابن خلدون فقبلها التلاميذ.

في العام نفسه أي 1918 تولى الفرنسي "لاروك" مسؤولية عسكرية، فأسندت الإدارة بالإنابة لببكر با الموريتاني لمدة أربع سنوات. وفي سنة 1922 أزيح ببكر با، و حل مكانه الجزائري مكي الجنيدي بن أحمد، الذي مارس التعليم في إفريقيا الغربية قبل تعيينه في بوتلميت، ولقد ضخ دماءً جديدة في المدرسة، وشعر بتعلق التلاميذ بالمحظرة، لذا يقال إنه أدمج ديوان الشعراء الجاهليين الستة وقيل المعلقات السبع -والله أعلم - في برنامج الأدب، وجلب كثيرا من المطبوعات الجديدة باللغتين العربية والفرنسية وبها أنشأ مكتبة ضمت مايناهز 900 كتاب، وعوّد التلاميذ على المطالعة والبحث. وشكل لجنة لتقييم نتائج التلاميذ من بينها متعلمون من أبناء المدينة. وفي فترة الجنيدي عُلق العمل في المدرسة ونقلت مؤقتا إلى المذرذرة.

 

بذل الشيخ عبدالله ولد الشيخ سيديا مجهودات كبيرة لإعادة المدرسة إلى بوتلميت، وبعد عودتها أدرك أن من أسباب نقلها قلة تلاميذها فبدأ - رغم قساوة الظروف المحلية والعالمية-   جهودا كبيرة لتسجيل أكبر عدد في المدرسة، ويبدو أنه وضع برنامجا دقيقا ومدروسا يتضمن ثلاث مراحل هي التعليم المخصص للأولاد والتعليم المخصص للبنات ثم تأسيس المعهد الإسلامي، وقد طبق رحمه الله القاعدة القائلة بالبدء بالأسهل.

 

 

· تمدرس الأولاد

كان عدد قليل من العائلات مقتنع بتعليم أبنائه، والغالبية الساحقة تبتعد منه وتسعى لإبعاد الناس عنه، فاستخدم الشيخ عبدالله رحمه الله علاقاته الخاصة لتسجيل بعض الأبناء دون أن يُشعر عائلاتهم. وأذكر من ذلك حالتين، فقد كنت في مجلس إذ دخل علينا السفير أحمد ولد الشيخ ولد جدُّو؛ وفي جماعة المجلس سيدي محمد ولد ودِّيه، وبعد تبادل التحيات قال أحمد :"أنا و سيدي محمد دخلنا المدرسه في يوم واحد في مايو، كنا نسير فلقينا الشيخ عبدالله في الشارع، فأرسل من يرافقنا إلى المدرسة وسجلنا، واستطعنا النجاح والتجاوز في عامنا الأول".

تابع الاثنان دراستهما؛ فاختار سيدي محمد  مجال الصحة ولا داعي لتذكير "البوتلميتيين" بالخدمات التي قدم لهم طيلة عقود من الزمن. أما أحمد فاختار الإدارة، و كان من مؤسسي الدولة ثم سفيرا، ولعب دورا كبيرا في بناء وطنه.

الحالة الأخرى، تتعلق بدخول الدكتور المصطفى سيدات للمدرسة، فقد أحدث شرخا في عائلته بين مؤيد ومعارض. ويُذكر أن جماعة من المعارضين قدموا إلى الشيخ عبدالله ولد الشيخ سيديا يطلبون منه التدخل لإخراج المصطفى من المدرسة، فجاملهم ووعدهم بأنه سينظر  في القضية، غير أنه اتصل سرا بمدير المدرسة حينئذ وطلب منه تشديد الرقابة على المصطفى سيدات، و إخبار الحاكم في حالة خروجه أو إخراجه. ثم زار الشيخ عبدالله  بعد ذلك مدينة "كيفة" واتصل بالمدير فأخبره بفشل محاولات كثيرة قيم بها لإخراج المصطفى من بينها إغراء المدير بالمال، وطمأنه عليه وأشاد بذكائه و التزامه وتنبأ بأن له مستقبلا زاهرا.

تابع المصطفى تعليمه حتى حصل على شهادة الثانوية (الباكلوريا) في الرياضيات بامتياز،  ودخل كلية الطب وتخرج طبيبا ماهرا، وفي السبعينات حول إلى بوتلميت أيام الجفاف وانتشار الأوبئة، و بذل هو والمرحوم سيدي محمد ولد ودّيه جهودا كبيرة أنقذت كثيرا من الأرواح، وخففت من المعاناة.

ثم التحق الدكتور المصطفى بمنظمة الصحة العالمية، وكان لوجوده فيها خير كثير لموريتانيا. وبعد إحالته إلى التقاعد فتح عيادة في نواكشوط همها الأكبر خدمة الفقراء و المساكين.

·  تمدرس البنات

بعد عودة المدرسة إلى بوتلميت عام 1929 عُين الجزائري بوعلام ولد الرويس مديرا ثم خلفه عام 1938 جزائري آخر هو المصطفى بن موسى الذي بقي مديرا في بوتلميت إلى عام 1947، حين حل مكانه الفرنسي ريتشارد (Richard) وفي العام نفسه طلب الشيخ عبدالله من الإدارة الفرنسية فتح مدرسة للبنات، وكانت تلك حادثة هزت المجتمع يومها، فالمرأة "من بيتها إلى قبرها". والسيول العارمة من الآراء و الأحكام تحرم وتجرم دخول المرأة للمدرسة. بل إن أحد تلك الآراء الغريبة يقول إن المرأة يجب أن تبقى أمية لا تقرأ ولا تكتب، لأن تعلمها قد يوصلها إلى معرفة "سر الحرف" وهي غير مؤتمنة عليه.

بيد أن الشيخ عبدالله كان فقيها مثقفا؛ يقال إنه يدرس مشاريعه بشكل معمق، واضعا لكل احتمال حسابه، ثم ينطلق إلى هدفه متوكلا على الله. صادقت الإدارة على طلب إنشاء مدرسة للبنات، وافتُتحت عام 1947 وبها كُسر الجدار العازل المضروب حول البنات.

اختيرت لها مديرة معروفة بأخلاقها الحسنة واحترامها للإسلام والمسلمين هي السيدة فينسان(Madame Vincent)  وكانت قبل ذلك في تونس، ثم اكتتبت الإدارة سيدتين موريتانيتين لتعليم العربية والتربية الإسلامية، فضلا عن استشارتهما في الأمور المتعلقة بالعادات والأخلاق  الموريتانية، من بينهما الحبيبه بنت آگه؛ المعروفة بعلمها وورعها.

جاءت النتائج مغايرة للتصورات التي كانت لدى العائلات؛ فإدارة المدرسة تراقب سلوك البنات الديني والأخلاقي  مراقبة شديدة.  وقد أخبرتني مريم بنت سيدي المختار رحمها الله، أن المديرة كل مادخل وقت الصلاة أخرجتهن لأدائها، وكان اهتمامها الأكبر بالسلوك والأخلاق الحميدة، وظهر ذلك جليا في خريجات المدرسة اللائي كن على مستوى عالٍ من العلم والأخلاق والوطنية،  مما مكنهن من المشاركة الفعالة في خدمة الشعب وبناء الدولة.

 ونذكر من السيدات خريجات المدرسة، مريم بنت سيدي المختار والتي أصبحت معلمة ثم نائبا في البرلمان وعضوا مؤسسا في المجلس الأعلى للنساء. وميمونة بنت البخاري وخديجة بنت حرمة وحفصة بنت عبد الجليل، وقد لعبن دورا كبيرا في تعليم أبناء المدينة وتأسيس الأنشطة الوطنية. ومن بين المقيمات على الخدمات الصحية في المدينة أحسن قيام مريم بنت البخاري وميمونة بنت مختارنا وبيدية بنت موسى بيدي.

 

وفي عام 1948 غادر الفرنسي ريتشارد بوتلميت، وحل مكانه المرحوم سيدي محمد ولد محمد أحمد (الدّيين) المعروف في المدينة بصفاته الحسنة واستقامته ومعرفته الواسعة، مما أكسب المدرسة ثقة الآباء المطلقة بها، وخلفه خلال السنة  1956 الفرنسي جاك (Jacques) وأحدث تحويل الدّيين صدمة في نفوس الآباء، زادها وطأة عدم رغبتهم في خلفه الفرنسي الذي أحدث تعيينه فتورا في التمدرس، وربما تسرب بعض التلاميذ. وبعد سنتين رحل جاك وأخلفه محمد ولد سيدي عالي في الإدارة، وظل في منصبه حتى الاستقلال  1960، ومع محمد؛ عادت ثقة الآباء بالمدرسة فرضي بها الجميع، إلا بعض  المنمين الرُّحل و المزارعين الذين لم يقنعهم إلا جفاف سنوات السبعينات .

 

 

·  إنشاء المعهد

بعد أن أكمل الشيخ عبدالله ولد الشيخ سيديا، مرحلتي تمدرس البنين  والبنات، فكر في إنشاء معهد للدراسات الإسلامية، وعرض الفكرة على الوالي العام الفرنسي بيير مسمير(Pierre Messmer)  الذي سيكون فيما بعد رئيس وزراء فرنسا، فأعجبته الفكرة و شجّعه عليها، ورخص له المعهد مستقلا عن النظام التربوي الفرنسي، وكانت استقلاليته ضرورية لأداء رسالته.

وعمل الشيخ عبدالله لتحضير كل ما يلزم مثل المقر والمدرسين والكادر الإداري والمراجع العلمية والأدوات المدرسية. فضلا عن رصد التمويل من ماله الخاص.

 

 

◄مرحلة التأسيس

 

تضمنت هذه المرحلة خطوات عدة على فترات، فخلالها بدأ إعداد التجهيزات اللوجيستية للمعهد، مثل الخيام والأكواخ المفروشة بالحصائر والمُنارة بالمصابيح الزيتية.

كما بدأ التحضير الأكاديمي لقيام المعهد، عبر اكتتاب طاقم التدريس، فقد أحضر الشيخ عبدالله كوكبة من العلماء الأجلاء وهم:

-      محمد عالي ولد عدُّود  

-      محمد يحيى ولد محمد عالي ولد عدود

-      إسحاق ولد محمد ولد الشيخ سيديا 

-      أحمد ولد مولود ولد داداه  

-      الدنبجة ولد معاوية  

-      محمد ولد أحمد ولد الشيخ سيديا 

-      عبدالله ولد عبدالرحمن.

 

وبعد فترة عُين العلاّمة الجليل والمحدث الكبير الشيخ محمد ولد أبو مدين، والعلاّمة العظيم والباحث المشهور المختار ولد حامدٌ أستاذين في المعهد.

 

أما إدارة المعهد فكانت:

-الشيخ عبدالله ولد الشيخ سيديا، رئيس مجلس الإدارة وممول المشروع.

-إسحاق ولد محمد ولد الشيخ سيديا، المدير المسيّر.

-سيدي ولد باهيني وأحمد ولد مَـزُّوكمسؤولا المالية.

 

الافتتاح

 

في السنة الدراسية 1953-1954 نُظم حفل الافتتاح بحضور الإدارة والأساتذة والطلاب، ووزعت الأدوات والمراجع المطبوعة على الطلاب، وبدأت الدراسة.

 

استضافة الطلاب

 

طيلة فترة المعهد ظلت تقدم للطلاب ثلاث وجبات يوميا، ويسلم لكل طالب غطاء ومخدة، وتوزع عليهم الملابس ثلاث مرات في السنة، والصابون كل أسبوع. وللمؤسسة عمال مكلفون بغسل ثياب الطلاب.

في هذه المرحلة كان أكثر الطلاب من محاظر بوتلميت والمناطق التابعة للمقاطعة، وتراوح عددهم بين الثلاثين والأربعين.

 

◄المرحلة الثانية

 

بدأت المرحلة الثانية للمعهد، بعد انتهاء مهمة "الإعدادية المهنية" أو باللغة الفرنسية  (Ecole Normale)التي يبدو أن وجودها في بوتلميت تحديدا؛ كان بمجهودات شخصية من الشيخ عبدالله ولد الشيخ سيديا.

في "الإعدادية المهنية" كان الطلاب يكملون مرحلة الإعدادية، كما يُكوَّن فيها معلمو الفرنسية، وكانت تستقبل طلابها من جميع أنحاء الوطن؛ وخرجت عددا كبيرا من الأطر والقادة الوطنيين، من بينهم الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع ووزير الخارجية الأسبق حمدي ولد مكناس.

بعد إغلاق هذه الإعدادية، ورث المعهد مبانبيها وكذلك بنية متكاملة من المعدات، وأصبح بذلك في وضعية لوجيستية مريحة، وبها شاع أمره وتوافد عليه الطلاب من كل حدب وصوب من الوطن ومن غرب إفريقيا، وأصبح عدده طلابه يقدر بأربعمائة. وظل المعهد في حراك مستمر، خرّج أفواجا من الطلاب فنجحوا في امتحانات مؤسسات أخرى أو اكتتبوا في وظائف أو مُنحوا في بعثات دراسية خارج البلاد. ويستقبل في الآن نفسه وفودا من الطلاب الجدد قادمين من محاظر عديدة.

استمر هذا الحال حتى سنة 1961، حين أصبح المعهد تابعا لوزارة التعليم، التي عينت التونسي بشير العريبي مديرا له، والتونسي الآخر "الهادي" مساعدا للمدير، وقد استقبلهما الشيخ محمد عالي ولد عدود بقصيدةمطلعها:

 

جاء البشير و هاد المعهد الهادي      نعم البشير ونعم المسعد الهادي

......إلخ

يرد عليه البشير 

قل لإبن عدود نبع الوارد الصادى    من حاضر يبتغ العرفان او بادي

 ......إلخ

كتبه اسماعيل ولد باهدٌاه