
جمعتُ حقيبتي، وضعتُ فيها بعض الذكريات وصورًا من طفولتي الجميلة، وصور أصدقاء الطفولة.
جمعتُ بعض حاجياتي، وتوجهتُ إلى محطة القطار. جلستُ على مقعد الانتظار أراقب الناس؛
من يودّع والدته باكيًا، ومن يودّع زوجته، وتلك التي تودّع عائلتها برفقة شريكٍ تبدو على ملامحهما فرحة البدايات.
لم تمضِ دقائق حتى شقّ صمت المكان صوتُ صفّارة القطار معلنًا قدومه.
نهضتُ، صعدتُ إليه، وجلستُ قرب النافذة. ومع تحرّكه، بدأتُ أراقب المناظر وهي تتلاشى خلفي كأنها أعمارٌ تُطوى.
توقفنا عند المحطة الأولى.
ترجلتُ لأجد نفسي في طفولتي؛ في حارتي القديمة، حيث الأصدقاء يلعبون أمام المنازل،
ورائحة الخبز الساخن تملأ المكان، وضحكات الأهل تعانق السماء.
شعرتُ بسعادةٍ خالصة، ركضتُ بين الحارات أحيّي الجيران، لكن صفّارة القطار قطعت فرحي.
عدتُ إليه مسرعًا، وجلستُ في مقعدي، مثقلًا بالحزن، غير راغبٍ في مغادرة ذلك الزمن الجميل.
بعد ساعات، وصلنا إلى المحطة الثانية.
خطوتُ خارج القطار ببطء، فإذا بي في زمن شبابي.
رأيتُ أصدقاء الأمس؛ من واصل طريقه، ومن بنى عائلة، ومن لا يزال ينتظر حلمًا بعيدًا.
ورأيتُ أحلامي المؤجلة، تلك التي علّقتها على شماعة “الوقت المناسب”،
حتى مرّ العمر ولم يأتِ ذلك الوقت.
بكيتُ من ذكرياتٍ لا تشيخ، ومن وجوهٍ غادرت حياتي ولم تعد.
عدتُ إلى القطار وأنا أمسح دموعي،
ومع طول الرحلة، شعرتُ بثقلٍ في قلبي لا يشبه ما سبقه.
توقفنا عند المحطة الأخيرة.
انقبض قلبي، وترجلتُ بصعوبة.
رأيتُ وجوهًا شاخت، وقلوبًا مثقلة بالفراق،
من يبكي عزيزًا رحل، ومن يندب عمرًا ضاع مع من لا يستحق،
ومن يصرخ بندمٍ متأخر: «كانت لديّ فرص كثيرة… ولم أستغلّها».
رأيتُ هناك الوجع بكل صوره؛
أحبة افترقوا، وأحلامًا لم تُولد، وحبًّا اكتمل ثم انتهى بخذلان.
رأيتُ من كانوا يومًا أغلى من الروح،
لكننا افترقنا بحكم القدر، وقد شخنا جميعًا…
وفاتنا قطار العمر.
اختنق صدري، ركضتُ بينهم أبكي،
أبحث عن فرصة لتغيير الماضي،
عن يدٍ تربّت على قلبي،
عن لحظة أعود بها إلى البداية.
توجهتُ إلى القطار، وطلبتُ من السائق أن يعيدني إلى المحطة الأولى.
ابتسم بهدوء وقال:
«هذه هي المحطة الأخيرة. قطار العمر لا يعود ليمنحنا فرصة ثانية،
لكنه يمنحنا دائمًا فرصة الشعور…
ومن يعرف كيف يشعر، يعرف كيف يعيش».
لهذا، لا تؤجّل حلمك،
ولا تفرّط بمن تحب،
ولا تستخفّ بسرعة الأيام.
بالأمس كنا أطفالًا،
واليوم شبابًا،
وغدًا نشيب.
فلا تؤجّل ما يمنحك فرحًا…
فالعمر لا ينتظر أحدًا.


