
سارة محمد مرزوقي
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في فرنسا، يعود ملف الجاليات إلى الواجهة، لا باعتبارها فاعلًا سياسيًا مستقلًا، بل ككتل رقمية تُستدعى عند الحاجة وتُهمَل بعد فرز الأصوات.
وفي قلب هذا المشهد، تقف الجالية الجزائرية — الأكبر عددًا والأثقل تاريخيًا — أمام سؤال مفصلي:هل تبقى مجرد خزان انتخابي صامت، أم تتحول إلى قوة ضغط حقيقية يُعاد حسابها داخل المعادلة السياسية الفرنسية؟
الانتخابات ليست موسمًا عاطفيًا
في كل دورة انتخابية، تُستحضر قضايا الهجرة والهوية والأمن، ويُعاد تدوير الخطاب الشعبوي، غالبًا على حساب الجاليات، وفي مقدمتها الجالية الجزائرية.
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في هذا الخطاب بحد ذاته، بل في طريقة مواجهته: بالانفعال بدل التنظيم، وبالانسحاب بدل الفعل السياسي المنظّم.الامتناع عن التصويت، أو الاكتفاء بالغضب على منصات التواصل، لا يُضعف الخطابات المعادية، بل يمنحها شرعية إضافية داخل صناديق الاقتراع.
من التصويت إلى فرض الأجندة
الانتخابات القادمة تمثل فرصة نادرة للجالية الجزائرية للانتقال من منطق “التصويت العقابي” أو “الاختيار الاضطراري”، إلى منطق فرض المطالب السياسية الواضحة:
من يدافع فعليًا عن الحقوق المدنية؟
من يرفض توظيف الذاكرة الاستعمارية كورقة انتخابية؟
من يلتزم بمحاربة العنصرية المؤسساتية لا الاكتفاء بإدانتها الخطابية؟
التأثير الحقيقي يبدأ عندما يصبح الصوت الانتخابي مشروطًا ببرامج ملموسة، لا بشعارات موسمية.
التنظيم الانتخابي: الحلقة المفقودة
رغم الثقل العددي، لا تزال الجالية الجزائرية تعاني من ضعف التأطير السياسي: غياب لوبيات انتخابية فاعلة، تشتت العمل الجمعوي، وندرة الدفع الجماعي بالكفاءات نحو المجالس المحلية والبرلمان.
في فرنسا، النفوذ السياسي لا يُبنى من القمة، بل من القاعدة: البلديات، الدوائر، والمجالس الجهوية. ومن هناك فقط يصعد التأثير إلى المستوى الوطني.
النخب وكسر الصورة النمطية
الانتخابات ليست صراع برامج فقط، بل صراع صور ذهنية. والجالية الجزائرية مطالبة اليوم بدفع نخبها — القانونية، الأكاديمية، الإعلامية — إلى واجهة النقاش العام، ليس دفاعًا عن “هوية”، بل عن حق المواطنة الكاملة.
عندما تحضر هذه النخب في البرامج الحوارية، ومراكز التفكير، والحملات الانتخابية، تتقلص قدرة الخطاب اليميني على توظيف الجالية كورقة تخويف.
بين الشأن الفرنسي وصورة الجزائر
لا يمكن فصل المشاركة السياسية للجالية عن صورة الجزائر في المخيال السياسي الفرنسي. غير أن هذا الدور يجب أن يُمارَس بذكاء سياسي، لا بمنطق الصدام أو الوصاية. فالدفاع عن الجزائر لا يكون بالمواجهة العاطفية، بل بتفكيك السرديات العدائية داخل المؤسسات والفضاءات الشرعية.
خلاصة
الانتخابات الفرنسية القادمة ليست اختبارًا للأحزاب وحدها، بل للجالية الجزائرية نفسها.
إما أن تظل موضوعًا انتخابيًا يُستعمل ويُهمَل،
أو أن تتحول إلى فاعل واعٍ يفرض حضوره وشروطه.
الفارق بين الخيارين لا تصنعه النوايا الحسنة، بل التنظيم، والوعي، والذهاب إلى صناديق الاقتراع بعقل سياسي، لا بردّة فعل.
كاتبة جزائرية


