
قرطبة، تلك المدينة التي كُتب عنها الكثير، لا تُختصر في آثارها ولا في صورها المعلّبة للسياحة السريعة.
هي مدينة تتكوّن من طبقات متراكبة من الذاكرة، حيث لا يزال الحجر يحتفظ بصوت من مرّوا، وحيث الأزقة ليست مجرد مسارات، بل حوامل لزمنٍ ثقافي وإنساني طويل.
على ضفاف الوادي الكبير، تشكّلت قرطبة بوصفها فضاءً للمعرفة والتعايش، وملتقىً للفلسفة والفنون والديانات، حتى غدت إحدى أكثر مدن العالم كثافةً في المعنى والرمز.
غير أن المدن، مهما بلغ مجدها، ليست كيانات جامدة.
فهي إمّا أن تظل حيّة بسكانها، أو تتحول إلى واجهات صامتة.
وقرطبة اليوم تقف عند هذا المنعطف الدقيق: بين كونها تراثًا عالميًا مُحتفى به، ومدينة يعيش مركزها التاريخي أزمة عميقة تمسّ الأمن، والهوية الحضرية، وحق السكان في العيش الكريم داخل فضاء بات يُدار بمنطق الاستهلاك لا بمنطق الحياة. من هنا، لا يأتي هذا النص بوصفه رثاءً لمدينة جميلة، بل محاولة لاستعادة صوتها الإنساني.
فالجمال الحقيقي لقرطبة لا يكمن فقط في ماضيها المجيد، بل في قدرتها على أن تكون مدينة حيّة في حاضرها، مدينة لا تُرى فقط، بل تُعاش.
في طريقنا عبر قرطبة المهجورة شهادات حيّة من الحيّ اليهودي حول الإهمال، الأمن، والهوية الحضمن موقع بروجكتو جارلو الاسباني نقلت هذا المقال الذي كتب بقلم خوانجو غارلو يستنكر ما الت عليه مدينته وينقل بعض الآراء من السكان
بين شوارع وساحات قرطبة نصادف مباني وأراضي وأماكن مهجورة بالكامل. هنا نحاول إظهار هذا التراث المنسي، ليس بوصفه حجارة صامتة، بل فضاءات كانت يومًا نابضة بالحياة.
هنا نسعى إلى إظهار هذا التراث للعلن.
بدأ كل شيء في 8 نوفمبر 2025، عندما أثارت مقابلة على يوتيوب حاجة ملحّة للكتابة حول ما يجري في المنطقة التاريخية، ولا سيما الحيّ اليهودي المحيط بمسجد–كاتدرائية قرطبة. يتحدث السكان عن انعدام الأمن، السرقات المتكررة، غياب الشرطة في اللحظات الحرجة، والاكتظاظ السياحي الذي يحوّل المكان إلى مسرح استهلاكي بلا احترام للعيش اليومي.
«تأثير استدعاء الجريمة في المنطقة التاريخية – الحيّ اليهودي بقرطبة.عملية “الحارس” التابعة للشرطة المحلية، بعدد قليل جدًا من العناصر البشرية (عنصران فقط في كل نوبة)، أمر لا يُصدق. ثم عندما تحضر وفود رسمية، تمتلئ المنطقة بالأمن العام والشرطة، ولا يوجد مجرم واحد!


