لماذا سقط شعار حل الدولتين

ثلاثاء, 2026-01-20 22:13

د. نائلة الوعري 

لم يختفِ شعار “حل الدولتين ” صدفة، ولم يسقط نتيجة تبدّل في المزاج السياسي الدولي، بل سقط لأنه فقد شروط وجوده الواقعي، وتحول من مشروع سياسي إلى عبارة تُستدعى عند الحاجة الخطابية، ثم تُهمَل عند اتخاذ القرار. سقط حل الدولتين عمليًا حين أُفرغ من مضمونه على الأرض. فالدولة التي وُعِد بها الفلسطينيون لم تعد ممكنة جغرافيًا ولا سياديًا. الأرض التي يُفترض أن تقوم عليها هذه الدولة تم تفكيكها بفعل الاستيطان، والجدار، والضم الزاحف، وتحويل المدن والقرى إلى جزر معزولة تُدار أمنيًا لا سياسيًا.لم يعد الحديث يدور عن دولة ذات حدود وسيادة، بل عن إدارة سكان بلا سيادة. في السياق نفسه، لم تعد «عملية السلام» قائمة بوصفها مسارًا سياسيًا يهدف إلى إنهاء الاحتلال، بل جرى استبدالها بإدارة صراع طويلة الأمد، غايتها احتواء الفلسطيني وضبط حركته ومنع انفجار شامل، لا معالجة جذور الصراع.وهكذا تحوّل الشعار إلى مظلة لفظية تسمح باستمرار الواقع القائم بدل تغييره. الأخطر في هذا المسار أن سقوط الشعار لا يعود إلى استحالة الحل من حيث المبدأ، بل إلى غياب الإرادة السياسية لفرضه. فالقانون الدولي واضح في تعريفه للاحتلال وحقوق الشعوب، لكن هذه المرجعيات بقيت معطّلة أمام ميزان قوة مختل لا يرغب في تحميل القوة القائمة بالاحتلال أي كلفة حقيقية. في هذا السياق، تبرز غزة اليوم ليس فقط بوصفها ساحة عدوان، بل كمختبر سياسي. فما يجري فيها يتجاوز البعد العسكري ليطال إعادة تعريف القضية الفلسطينية ذاتها. تُقدَّم غزة للعالم كأزمة إنسانية تحتاج إلى إدارة وإغاثة، لا كقضية سياسية مرتبطة بالاحتلال والحقوق. الطرح المتداول بشأن مستقبل غزة لا يتناول إنهاء الاحتلال أو ضمان الحقوق الوطنية، بل ينحصر في أسئلة الإدارة والتمويل والأمن، وهو ما يحوّل المأساة إلى ملف تقني منفصل عن جذوره السياسية. في هذا السياق، يُراد لغزة أن تصبح نموذجًا لتخفيض سقف الطموح الفلسطيني، ورسالة ضمنية بأن ما بعد هذا الدمار لا يسمح بالحديث عن حقوق أو سيادة، بل عن الحد الأدنى من البقاء. الأخطر من ذلك هو محاولة فصل غزة عن السياق الوطني الفلسطيني العام، وتحويلها إلى حالة استثنائية، في حين أنها جزء أصيل من القضية. هذا الفصل يفتح الباب أمام تفكيك القضية الفلسطينية إلى ملفات جزئية قابلة للإدارة، بدل التعامل معها بوصفها قضية تحرر وطني واحدة. إن سقوط صيغة سياسية مثل حل الدولتين لا يعني سقوط الحق الفلسطيني ولا نهاية القضية، بل يكشف حدود الأطر التي فُرضت لإدارتها. الحقوق التاريخية لا تُلغى بتوازنات القوة، ولا تُمحى بالإبادة أو الحصار، لكنها تحتاج إلى إعادة تعريف أدوات النضال السياسي والفكري بما يواكب هذا التحول الخطير ، سقوط صيغة سياسية لا يعني سقوط الحق التاريخي أو القانوني.