
في المشهد السياسي الموريتاني قل أن تجتمع الصرامة الإدارية مع خفة الظل والدهاء البرلماني مع سرعة البديهة.غير أن الشيخ ولد بايه شكل حالة خاصة.. رجل دولة خبر دهاليز الإدارة وأتقن لغة القانون وتمرس في إدارة التوازنات الدقيقة لكنه ظل في وعي قطاع من الرأي العام أسير صورةٍ طريفة اختزلت تجربته الثرية.
تولى رئاسة الجمعية الوطنية في مرحلة مفصلية كانت البلاد فيها تعيش تحولات سياسية ودستورية عميقة.إدارة جلسات البرلمان في تلك اللحظة لم تكن مهمة إجرائية فحسب بل كانت اختبارا لقدرة الرجل على ضبط الإيقاع بين الأغلبية والمعارضة وبين النصوص وروحها.، وقد عرف عنه إلمامه الدقيق بالنظام الداخلي وصرامته في تطبيقه وهو ما منح المؤسسة التشريعية آنذاك قدرا من الانضباط المؤسسي.
غير أن ما رسخ حضوره في المخيال الشعبي لم يكن فقط مواقفه السياسية أو قراراته البرلمانية بل تلك اللحظات العفوية التي أظهر فيها روحا ساخرة ولمسة إنسانية قريبة من الناس.. تحولت بعض عباراته إلى مواد متداولة في وسائل التواصل وتناقلها الجمهور بوصفها طرائف حتى كادت تطغى على سجله السياسي والإداري.
هنا تكمن المفارقة: الطرافة التي قربته من الناس هي ذاتها التي حجبت عن البعض عمق تجربته.. فالرجل ليس مجرد “موقف طريف” أو “عبارة لافتة” بل مسار طويل في العمل العام بدأ من الإدارة الإقليمية ومر بمواقع تنفيذية وتشريعية حساسة وصولا إلى قمة الهرم البرلماني.
إن قراءة منصفة لتجربة الشيخ ولد بايه تقتضي الفصل بين الصورة الشعبوية المختزلة وبين الأداء المؤسسي الفعلي. فالدول لا تدار بالنكات وإن كانت النكتة أحيانا تكشف ذكاء صاحبها وإنما تدار بالكفاءة وفهم موازين القوى والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
لعل التاريخ السياسي سينصف الرجل بعيدا عن ضجيج اللحظة وسيعيد ترتيب صورته في سياقها الطبيعي: شخصية سياسية ذات حضور جمعت بين الصرامة والمرونة وبين الرسميّة وخفة الروح… أسطورة سياسية غيبتها الطرافة لكنها لم تلغ أثرها البليغ.
بادو محمد فال امصبوع


