
السفير د. عبدالله الأشعلسادت في الخمسينات والستينات فكرة الصراع بين الأمة الإسلامية والأمة العربية بظهور الشعارات القومية والتيار القومى ولظروف معينة حدث صرا ع بين الفريقين وكلاهما لا يفهم ما يقول وكانت النتيجة الاحقاد المتبادلة والضحايا وأولها القضايا العربية والإسلامية ولم تتنبه الشعوب إلي أن القيادات السياسية لم تفهم مصطلح الأمة الاسلامية والأمة العربية والفكر القومى ودخل هؤلاء فى معارك متعددة يمكن أن نحصر منها خمس معارك المجموعة الأولى من المعارك هى بين القوميين العرب أنفسهم ووقع خلاف بين البعث والناصرية بل وقع خلاف بين بعث العراق وبعث سوريا وكان الخلاف بين الاطراف المتنازعة خلافا تافها ادى إلى نتائج خطيرة؛فقد انقسم القوميون العرب انقساما حادا كما انقسم حزب البعث انقساما مرا لدرجة أن الرئيس حافظ الأسد إلى جانب الحسابات السياسية الدولية قرر الانضمام إلى التحالف الدولى بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق وتفسير هذا الموقف هو أن هذه الحسابات اقوى من الرابطة القومية وقد أنتهى الموقف إلى احتلال الولايات المتحدة وبريطانيا للعراق بعد ذلك بثلاثة عشر عاما ونشك أن الرئيس حافظ الأسد بذكائه قد خانه هذا الذكاء فى حساباته وكان لابد أن يدرك أن انضمامه للتحالف يختلف اختلافا جذريا عن انضمام مصر إليه فقد انضمت مصر إليه لثلاثة أسباب السبب الأول والأهم هو رغبة الولايات المتحدة فى الانضمام والسبب الثانى هو المنافع الاقتصادية المقابلة لانضمام مصر إلى التحالف وـأما السبب الثالث فهو ربما شعور مصر بأن العراق قد ارتكب خطيئة كبرى باحتلال الكويت ولكن تردد بعد ذلك أن الرئيس مبارك تواطأ مع واشنطن فى غزو العراق .والخلاصة أن تاريخ التحالفات العربية مشبوه وليس مشرفا والسبب فى ذلك هو هيمنة واشنطن على المقدرات العربية من خلال الحكام العرب.الأمة العربية هى التى تضم الدول العربية إذا اتسع المعنى لكى تضم كل العرب فإن الأمة العربية تتناقض مع القطرية المعادية للقومية فإذا قال القوميون أنهم لايعترفون بالقطرية العربية وإنما يعترفون بأمة واحدة عربية تستبعد من جوفها كل الاقليات العرقية فأنهم فى الواقع لايفهمون معنى العروبة وظلوا يدبجون الشعارات القومية دون أن يفهموها فأوجدوا تناقضا بين الأمة وبين مكوناتها القطرية ومع ذلك استخدموا هذا السلاح لمهاجمة الاسلاميين الذين نادوا بالأمة الإسلامية. وجدير بالذكر أن هزيمة مصر على يد إسرائيل عام 1967 كانت عند الإسلاميين هزيمة للأمة العربية ويتردد أن الشيخ الشعراوى قد خر ساجدا لله بسبب هذه الهزيمة مما يشير إلى أن العداء بين المتطرفين فى الطرفين قد تجاوز مداه المعقول.
ومن ناحية أخرى فإن الأمة الإسلامية تضم كل المسلمين وتتجاوز الاطار العربى ويعتبر الإسلاميون أن هذه الأمة هى الأمة الخالدة استنادا إلى نصوص القرآن الكريم والاحاديث النبوية المشرفة واستدلوا بما ورد فى القرآن الكريم “كنتم خير أمة أخرجت للناس” .ومعنى ذلك أن التيار الإسلامى يعتبر الأخوة الإسلامية أولى من أخوة الوطن وهذا ما ركز عليه الطرف الآخر فى معادلة الصراع على السلطة وهذا هو السبب أن الخطاب المصرى الحالى يركز على حب الوطن الصغير المصرى وأخوة الوطن وينتقد قول الإسلاميين بأن المسلم الماليزى أخ للأمة الإسلامية وأولى بالاهتمام من المسيحى المصرى وهذه الفكرة فكرة قرآنية غير أن تطبيقها على العلاقات الدولية مستحيل .فالعلاقات الدولية تقوم على أساس فكرة الدولة التى يمكن أن تندمج مع غيرها من الدول لتشكل شكلا من أشكال الاندماج الكثيرة وكذلك الحال فى الأمة العربية. فالمصرى أيا كانت شريعته هو مضري اولا. وهذا الاتجاه يسميه القوميون النظرية القومية دون أن يفهموا معنى الأمة فى هذا السياق فالسابقون من المفكرين العرب الذين أخترعوا القومية العربية فى نهاية القرن التاسع عشر كانوا مغتربين فى أوروبا وراق لهم النموذج القومى الأوروبى وهذا النموذج كان يركز على وحدة عناصر الدولة مثل الدولة الألمانية والدولة الايطالية .ولكن هذا الفكر القومى كان داخليا ولا يمتد إلى عموم القارة الأوروبية. أما القوميون العرب فاعتمدوا على الشعارات الجوفاء دون أن يتدبروا معناها ووقفوا ضد القطرية وهم فى الواقع لا يفهمون العلاقة بين القومية والقطرية واتهموا الإسلاميين بنفس ما ارتكبوه من حماقه فكرية وسلوكية وكلاهما مخطيء وحاطئ .والتيار الإسلامى يهدف إلى وحدة المسلمين فى العالم كله بالتقاطع مع الدول التى تتطلب ولاءا وطنيا منهم وهذه الاشكالية أدت إلى معاقبة الشباب المسلم البريطانى الذى انضم إلى المقاومة العراقية عام 2003 من منطلق الأمة الإسلامية فحكم عليه فى بريطانيا بتهمة الخيانة العظمى.وقد لاحظت أن الاعلام المصرى يركز على حب الوطن فى الدين ويضرب دائما المثل بتعلق الرسول صلى الله عليه وسلم بمكه ويفسرون تحويل القبلة بأنه تكريس لحب الوطن. والغريب أن رجال الدين هم الذين يتصدون لهذه المهمة بينما يرد عليهم فريق من المصريين بأن الوطن الذى يقصدونه هو البقرة الحلوب التى يستفيدون منها علما بأن الوطن نظريا ملك للجميع. وهذه المشكلة كان يناقشها الشباب فى معسكرات التدريب فى الجيش المصرى عقب هزيمة 1967 فكانوا يربطون بين حب الوطن وبين المزايا التى يقدمها الوطن لهم بل أن احد الشعراء لام هذا الوطن ووصفه بأنه يقسوا على أبنائه والحق أن الوطن والمواطنين ضحية الادارة . والوطن فى هذه الحالة أحد أكبر الضحايا.ونخلص مما تقدم إلى النتائج الآتية :أولا: أن الصراع بين اتباع الامتين العربية والإسلامية كلف الأمة الكثير ولا يزال حتى هذه اللحظة. وهذا الصراع يتجاهل المفاهيم الدينية الصريحة والسياسية المستقيمة.ثانيا: أن الأمة العربية أمة حقيقية بشرط أن تقتصر على الدول العربية فقط ولا تشمل العرب خارج الوطن العربى الذين يحملون جنسيات دول أخرى وأكثر العرب المعذبين هم عرب فلسطين الذين جاءت إسرائيل لكى تجعلهم جيبا من الاقلية فى بطنها لأنها تميز بين الجنسية التى يتمتع بها جميع السكان عربا ويهودا وبين المواطنة التى يتمتع بها اليهود وحدهم .ثالثا: أن أوروبا عرفت القومية لتوحيد مكونات الدولة فى الداخل فقد نجح بسمرك فى توحيد 299 امارة فى ألمانيا وعجزعن أن يضم الولاية الوحيدة خارج الأمة الألمانية وهى النمسا وهذا هو التفسير الوحيد لتحرش هتلر بالنمسا فى صور متعددة بدءا من عام 1936 رغم أن النمسا أعلنت حيادها ولكن ذلك لم يشفع فى التهامها تحت مسمى الاتحاد الاقتصادى الجبرى المعروف بأسم الانشلوس ولم تدعى أوروبا أن هناك قومية أوروبية واحدة وأمة أوروبية واحدة وانما عززت استقلال الدول الأوروبية ووجدت أن هناك مصلحة مشتركة فى تجميع هذه الدول وفق مصالحها في السوق الأوروبية المشركة أولا ثم فى الاتحاد الأوروبى بعد ذلك.رابعا: أن العرب الذين يتباكون على اشكال الوحدة الأوروبية ويتمنون حدوثها فى الواقع العربى بل يعتقدون أنهم أولي بهذه الوحدة لأنهم يتحدثون لغة واحدة وينتمون فى معظمهم إلى شريعة الإسلام ثم أنهم يعيشون فى منطقة واحدة جغرافيا ولهم تاريخ مشترك فى بعضه وليس مشتركا فى بعضه الآخر وتجاهل المفكرون الذين تباكوا على الواقع العربى أمرين الأمر الأول هو أن أوروبا تجاوزت مرحلة القومية الوطنية الداخلية اللازمة لصهر الأمة الدولة بداخلها ومازال العرب يرفعون شعارا زائفا وهو أن الأمة العربية تم تقسيمها من جانب الاستعمار إلى دول وأن الصحيح هو أن تتحد هذه الدول فى جسد واحد حتى تكون قوة معتبرة فى محيطها وتجاهلوا أن الشعارات القومية المنادية بهذا النوع من الوحدة كانت تعمل لمصلحة الزعيم الذى يريد أن يوسع ملكه ويتجاوز وطنه الصغير وكان ذلك واضحا لكل الحكام القوميين وهم جمال عبدالناصر ومعمر القذافى وصدام حسين الذى قفز قفزة حمقاء مدفوعا بالفكر القومى والوحدة العربية فزعم أن الكويت كانت تابعة لولاية بغداد وبنى على ذلك أن الكويت كانت جزءا من العراق أيام الدولة العثمانية ونسى أن الدولة العثمانية كانت تختلف عن الدول العربية بعد ذلك.كاتب ودبلوماسي مصريندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية "راي اليوم" مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع للدعم:


