
لم تعد الأزمة العربية الراهنة قابلة للاختزال في تعثّر سياسي أو فشل اقتصادي أو صراع سلطوي عابر، بل غدت حالة انسداد تاريخي شامل، تتقاطع فيها أزمات الدولة مع أزمات المجتمع، ويتداخل فيها انهيار الواقع مع عطب الوعي ذاته. نحن إزاء زمن عربي ثقيل، تتآكل فيه المعاني الكبرى، وتفقد المفاهيم قدرتها على الإقناع والتعبئة، بينما يتقدّم الخراب بوصفه واقعًا يوميًا لا يحتاج إلى تبرير. في قلب هذا المشهد، تبرز النخب العربية بوصفها أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا وإرباكًا: أين كانت؟ وأين أصبحت؟ ولماذا تبدو عاجزة عن ملامسة عمق اللحظة، فضلًا عن فتح أفق للخروج منها؟
لم يعد مأزق النخب العربية مجرّد نتيجة عرضية للقمع أو الاستبداد أو التدخل الخارجي، بل تحوّل إلى بنية قائمة بذاتها، أعادت إنتاج العجز، وطبّعت مع الانسداد، وشرعنت الصمت أو التواطؤ أو الهروب إلى اللغة. وهنا بالضبط يصبح السؤال حول النخبة سؤالًا وجوديًا لا أخلاقيًا فقط، لأن النخبة التي تفقد قدرتها على الفعل والتخيّل، تفقد مبرّر حضورها التاريخي.النخبة العربية وسؤال الدور التاريخيفي لحظات التحوّل الكبرى، كانت النخبة العربية فاعلًا أساسيًا في إنتاج الوعي وصياغة المشروع العام. لم تكن النخبة مجرّد فئة متعلّمة أو نخبة خطابية، بل كانت حاملة لسؤال المصير، ومشغولة بإعادة تعريف الذات الجماعية في مواجهة الاستعمار والتخلّف والتبعية. من مشاريع النهضة الأولى إلى حركات التحرّر الوطني، أدّت النخب دور الوسيط بين المجتمع والتاريخ، بين الحلم والواقع، وأسهمت في بلورة سرديات جامعة أعطت للسياسة معناها، وللثقافة وظيفتها.غير أن هذا الدور بدأ يتآكل مع تشكّل الدولة الوطنية العربية بصيغتها السلطوية المغلقة. فمع احتكار السياسة، وتجفيف المجال العام، وتحويل الثقافة إلى نشاط مروّض، أُفرغت النخبة من وظيفتها النقدية، وأُعيد تعريفها إمّا بوصفها أداة تزيين للسلطة، أو معارضًا بلا أدوات فعل حقيقية، أو مثقفًا منفيًا داخل لغته. ومع مرور الزمن، لم يعد هذا الوضع استثناءً، بل تحوّل إلى قاعدة مستقرة.الأخطر من ذلك أن قطاعات واسعة من النخب نفسها استبطنت هذا الدور المبتور، وتكيّفت معه، بل دافعت عنه أحيانًا تحت عناوين الواقعية أو الحكمة أو تجنّب الفوضى. وهكذا تحوّل العجز من حالة مفروضة إلى خيار ضمني، ومن أزمة ظرفية إلى نمط اشتغال دائم. ولم يعد السؤال: لماذا أُقصيت النخب؟ بل: لماذا قبلت بهذا الإقصاء، ولماذا عجزت عن ابتكار أشكال جديدة للفعل والتأثير؟انسداد المرحلة وتحولات السياق العربيالمرحلة العربية الراهنة تختلف نوعيًا عن سابقاتها، ليس فقط من حيث حجم الأزمات، بل من حيث طبيعتها المركّبة. نحن أمام دول مأزومة في شرعيتها ووظيفتها، ومجتمعات منهكة اقتصاديًا ونفسيًا، وفضاء إقليمي مفتوح على التدخلات والصراعات، وقضايا مركزية تُدار ببرود أخلاقي غير مسبوق. في هذا السياق، لا يعود الانسداد مجرّد استعارة، بل واقعًا تاريخيًا ملموسًا.


