اختبار الإرادات: هل تستدير طهران أم تُفرض المعادلة بالقوة؟

جمعة, 2026-02-27 20:43

م. فراس الصمادي

مشهد يتأرجح بين ضربة تلوح في الأفق وصفقة لم تولد بعد. في هذا التأرجح يتشكل مفصل تاريخي يُمهّد لسيناريوهات تعيد صياغة التوازنات، حيث تُختبر الإرادات في ميزان القوة قبل أن تُختبر في لغة التصريحات.المناورة التقليدية لم تعد كافية. ما يجري لا يتعلق بنسب تخصيب وأرقام داخل منشآت نووية، بل بإعادة تحديد موقع إيران كلياً في معادلة يُعاد تشكيلها تحت ضغط معلن.التموضع العسكري الأميركي ليس استعراضاً عابراً. تحريك القطع البحرية، ونشر المقاتلات المتقدمة، ورفع مستوى الجاهزية — هذه إجراءات ترفع كلفة الرفض حتى يصبح التنازل الاستراتيجي أقل خطراً من الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة. حين تتراكم عناصر الردع بهذا الشكل، يصبح التراجع مكلفاً بقدر الإقدام، لأن حشد القوة يخلق دينامية لا يمكن تجميدها طويلاً دون أن تفقد أثرها.

طهران تدرك ذلك. حديث الرئيس الإيراني عن تجاوز مرحلة “اللاسلم واللاحرب”، وربطه الأمر بتوجيهات المرشد، يعكس وعياً بأن هامش الحركة يضيق. لا أحد في طهران يبحث الآن عن مواجهة مفتوحة، لكن أحداً أيضاً لا يريد أن يبدو وكأنه تخلى عن جوهر سيادي يتمثل في حق التخصيب. السؤال لم يعد تقنياً، بل يتعلق بحدود ما يمكن التنازل عنه دون المساس بشرعية النظام في الداخل.الضغط يتجاوز النووي. العراق يقدم مؤشراً واضحاً على إعادة ترتيب الأولويات. تصاعد الخطاب حول حصر السلاح بيد الدولة، واستبعاد الفصائل المسلحة من معادلة الحكم، وإعادة تنظيم العلاقة مع واشنطن، لا يمكن فصله عن لحظة الضغط على طهران. هذه إشارات تفيد بأن ملف الحلفاء لم يعد منطقة محرّمة، وأن النفوذ الإقليمي قد يتحول من ورقة نفوذ حاسمة إلى بند قابل للمراجعة ضمن صفقة أوسع. تراجع سقف تحرك بعض الوكلاء لا يعني انهيار المحور، لكنه يغير حساب الكلفة، والفرق كبير بين رد شامل يوسّع رقعة الاشتباك في الإقليم، ورد محسوب يضبط الإيقاع.جوهر الصدام يتجاوز حدود الطاولة التفاوضية. واشنطن تسعى إلى هندسة اتفاق دائم يقيّد القدرة النووية بصورة جذرية، موسّعةً النقاش ليشمل الصواريخ تحت عنوان الخطر النووي. طهران في المقابل تحاول إبقاء الطاولة ضمن حدود الملف النووي، وتقدم إشارات إلى ضبط مدى الصواريخ كي لا يتحول هذا الملف إلى شرط تفاوضي ملزم. المعركة تدور حول من يحدد جدول الأعمال، لا حول تفاصيل تقنية قابلة للتدوير.اللعبة لا تدار بين طرفين فقط. الغائب الأكبر عن طاولة جنيف حاضر في كل تفصيل منها. الصين، التي يعبر جزء حيوي من أمنها الطاقوي عبر هرمز وتمتد مبادرتها البرية عبر الأراضي الإيرانية، تنظر إلى أي إعادة تعريف لدور طهران بوصفه مساساً بجسر استراتيجي بنته خلال عقد. بكين لا تفاوض علناً، لكنها توسّع هامش الصمود الاقتصادي لطهران بما يمنع العقوبات من تحقيق خنق سريع. هذا لا يعني استعداداً صينياً للدخول في مواجهة، لكنه يعني أن حسابات طهران تتضمن افتراضاً بأن بكين لن تتركها تنهار بما يضر بمصالحها أولاً.