
دكتور محيي الدين عميمور
يحتضن ثرى “باتنة”، عاصمة “الأوراس” الأشم، جثمان الرئيس الجزائري الأسبق اليمين زروال الذي انتقل إلى الرفيق الأعلى أول أمس، وذلك بناء على وصيته، مما يجعله الرئيس الوحيد الذي لا يدفن في مقبرة “العالية” التاريخية.وتعيش الجزائر في حداد بعد رحيل مجاهد يختتم عهد الرؤساء الذين ارتبطوا مباشرة بالثورة الجزائرية المجيدة، بعد أحمد بن بله وهواري بو مدين والشاذلي بن جديد ومحمد بو ضياف وعلي كافي وعبد العزيز بو تفليقة، ولعله الرئيس الوحيد في العالم الذي انسحب من عهدته الرئاسية بمجرد أن أحس بأنه لن يستطيع أن يكون في مستوى الثقة التي منحتها له الجماهير، وأنه لن يكون قادرا على تحقيق الهدف السامي الذي يعمل له، وهو تحقيق المصالحة الوطنية التي تخرج بالجزائر من أسوأ عشرية عرفتها منذ أن استرجعت الاستقلال.
وعندما أدرك ذلك انسحب بهدوء لم ينقصه الذكاء والحرص على ضمان الاستقرار في البلاد، تاركًا ذكرى طيبة وسيرة نقية اختلطت بحسرة شعبية على فراقه، وهو ما يُذكر بالرئيسين المصري جمال عبد الناصر والسوداني عبد الرحمن سوار الذهب، مع اختلاف الدوافع والخلفيات والسياق التاريخي.تولى اليمين زروال رئاسة الدولة في منتصف التسعينيات ثم انتخب رئيسا للجمهورية، وتحمل مسؤولياته بشجاعة المجاهد الأصيل، محققا تكاملا رائعا بين الروح العسكرية والإدراك السياسي، وراح يعمل للخروج بالبلاد من وضعية العشرية الحمراء في وسط أجواء معقدة تنمرت فيها ضباع كراهية الانتماء العربي الإسلامي، وفي مواجهة هجمة شرسة ممن كانوا يريدون إقرار وضعية سياسية تتناقض مع مبادئ أول نوفمبر وتلبي طموحات أقليات تتحمل إلى حد كبير مسؤولية الأحداث الدامية التي مزقت الجزائر في القرن الماضي، وفي ظل تآمر خارجي تميز بالطعنات في الظهر والضرب تحت الحزام، وفي مناخ عزلة رهيبة فُرِضتْ على الجزائر، شارك فيها بعض الأشقاء.وفي تلك المرحلة البائسة رفض زروال لقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك، الذي طلب أن يكون اللقاء سرّيّا، وقال زروال آنذاك…”سأقبل لقاءه عندما تكون لديه شجاعة مواجهة الرئيس الجزائري علنا”.رحل اليمين زروال (واليمين مشتق من اليُمْن) فاهتزت الجزائر لفقده، مجاهدا في سبيل الله والوطن، حريصا على كرامة بلاده وأمن مواطنيه، مؤمنا بعظمة الجزائر ومدركا أبعاد هذه العظمة المستمدة من التاريخ العريق ومن التضحيات الكبرى لشعبها.ولم يخلط زروال في سعيه نحو المصالحة الوطنية بين التوفيق والتلفيق، وبين الصمود والعناد، وبين ما هو استراتيجي وما هو تاكتيكي وبين ما هو ثابت وما هو مرحليّ، وكانت له نظرته الموضوعية التي تعتمد على تفهم موقف الخصوم بدون التنازل عند منطقهم، واستطاع أن يفرّق بين العداوة والخصومة ويتصرف مع الآخرين بناء على هذا الفهم، وكان هذا درسا لا أدري إذا كان هناك من استفاد منه.



