
يرى مالك بن نبي أن الاستعمار يبدأ بقابلية تنشأ داخل الأمم حين يصيبها الوهن والتفكك وفقدان المناعة الفكرية والاجتماعية، وقد صاغ ذلك في مفهومه الشهير "القابلية للاستعمار"؛ وإن كانت هذه الفكرة قد وُضعت في سياق الاحتلال التقليدي، فإنها اليوم تكتسب أبعادا أوسع وأعمق في زمن المنصات العابرة للحدود، حيث لم تعد الأوطان تُخترق بالجيوش وحدها، بل بالكلمات والصور والسرديات المتنازعة.
وفي موريتانيا، تظل قضية "لحراطين" أو "الأرقاء السابقين" أو "البيظان الخظر" قضية عادلة في أصلها، لاتصالها بالكرامة والإنصاف وتكافؤ الفرص.
ولا يستقيم لوطن يحترم نفسه أن يتجاوز آلاما تاريخية دون معالجة واعية ومسؤولة، لكن ما يجعل هذه القضية اليوم أولوية وطنية بالغة الحساسية، ليس جوهرها فحسب، بل أيضا الأدوات التي تُعالج بها، والمنابر التي تُطرح عبرها، وطبيعة العصر الذي نعيش فيه.فنحن لم نعد أمام نقاشات محلية محدودة الأثر، بل أمام فضاء رقمي مفتوح سريع الاشتعال، تتداخل فيه السياسة بالحقوق، والصدق بالمبالغة، والإصلاح بالاستثمار في الجراح، وفي هذا المناخ تصبح الكلمة أحيانا أخطر من الأزمة نفسها، لأن طريقة عرض القضية قد تدفع نحو العلاج كما قد تدفع نحو الانفجار.
إن معالجة مثل هذه القضايا الحساسة خارج الأطر الوطنية الحكيمة تشبه معالجة مريض في العراء، بعيدا عن المستشفى وفي بيئة غير معقمة، قد تكون نية العلاج صادقة، لكن احتمالات العدوى والمضاعفات تفوق احتمالات الشفاء؛ فالقضايا العادلة لا تكفيها عدالة المطلب، بل تحتاج إلى خطاب مسؤول، وبيئة وطنية آمنة تصونها من التوظيف والتشويه.
ومن هنا، فإن الخطر لا يكمن في إثارة القضية، وإنما في تحويلها إلى وقود للفرز الاجتماعي، أو مادة للخصومات السياسية، أو جسر للعبور إلى نسيج المجتمع. فالأمم التي تعجز عن إدارة جراحها داخليا، تفتح أبوابها ونوافذها دون أن تشعر لرياح لا تملك التحكم في اتجاهاتها.وموريتانيا اليوم أحوج ما تكون إلى شجاعة الإنصاف، حمايةً للقضية من المتاجرة، وحماية للمجتمع من الانقسام، وحماية للأجيال القادمة من أن ترث ذاكرة مشتعلة بدل أن ترث وطنا متماسكا، وهنا تبرز أهمية ما ورد في خطاب فخامة رئيس الجمهورية في ودان، وما تضمنه ميثاق "نداء جول" من دعوة صريحة إلى الوحدة الوطنية ولمّ الشمل وتحصين الجبهة الداخلية.
فالوطن لا يُبنى إلا بوعي مشترك يُنتج عدلا لا أحقادا، ومصالحة لا قطيعة.ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي أراده مالك بن نبي، أن الاحتلال ليس إلا نتاج القابلية له، وكذلك التفك الداخلي ليس سوى نتاج القابلية له حين نعجز عن معالجة قضايانا بروح وطنية تتجاوز الحسابات الضيقة.
سيدي عثمان ولد بلال







