محمد الأمين ولد لحويج يكتب عن كتاب العبور الهادئ

خميس, 2026-06-04 19:22

أثار كتاب "العبور الهادئ" لمعالي الوزير الأول الأسبق السيد سيدي محمد ولد بوبكر نقاشًا واسعًا في الساحة الوطنية، ليس فقط لما يتضمنه من شهادات حول مرحلة مهمة من تاريخ البلاد، بل لأنه أعاد إلى الواجهة أسئلة تتعلق بالدولة والتحول السياسي وبناء المؤسسات.

يركز الكتاب أساسًا على الفترة الانتقالية ما بين 2005 و2007، وهي المرحلة التي انتهت بتسليم السلطة إلى حكم مدني منتخب عبر انتخابات اعتُبرت آنذاك خطوة مهمة في مسار الانتقال السياسي في موريتانيا. وقد شكلت تلك المرحلة محطة بارزة في تاريخ الدولة الحديثة، بما حملته من رهانات وتطلعات وتحديات.

وينتقد بعض القراء عدم تخصيص مساحة أكبر للحديث عن مرحلة الرئيس السابق معاوية ولد سيد أحمد الطايع، وهي مرحلة مفصلية في تاريخ موريتانيا الحديث. فقد واجهت الدولة خلالها تحديات الجفاف والنزوح والتحولات الاجتماعية والاقتصادية العميقة، كما شهدت جهودًا كبيرة للحفاظ على الاستقرار وبناء البنية الإدارية والمؤسساتية للدولة في ظروف لم تكن سهلة.

حضرت حفل تقديم الكتاب، وكان من اللافت حضور شخصيات من مجالات الثقافة والاقتصاد والخبرة العسكرية إلى جانب جمهور سياسي واسع. وبالنسبة لي، لم يكن ذلك مجرد حضور لمناسبة ثقافية، بل مشهدًا يعكس استمرار حضور بعض التجارب السياسية في الذاكرة الوطنية، ويطرح تساؤلات حول ما يمكن أن نستفيده منها في مواجهة تحديات الحاضر. ولعل هذا ما دفعني إلى ممارسة ما نسميه محليًا «تَنْتَاگْ الكَمْيَة»، أي محاولة قراءة ما وراء الصورة لا الاكتفاء بما يظهر منها.

وقد أعادني ذلك المشهد إلى زيارة الرئيس السابق معاوية ولد سيد أحمد الطايع إلى إسبانيا قبل سنوات. يومها كان السيد سيدي محمد ولد بوبكر يشغل منصب مدير الديوان، وكان ضمن الوفد عدد من الشخصيات الوطنية البارزة. وكنت قد أعددت كتيبًا باللغة الألمانية بعنوان "Mauretanien – Ein Land stellt sich vor" للتعريف بموريتانيا وإمكاناتها وفرصها الاقتصادية وفرص الاستثمار فيها. فسافرت إلى إسبانيا أملاً في تقديمه وشرح فكرته للرئيس وأصحاب القرار، والتي كانت تدور حول كيفية الاستفادة من تجارب الدول الصناعية المتقدمة، وما يمكن أن توفره الشراكات الاقتصادية والعلمية من فرص لدعم التنمية في موريتانيا.

كانت تلك المناسبة أول لقاء لي بالسيد سيدي محمد ولد بوبكر وبعض أعضاء الوفد. واليوم، وأنا أقرأ هذا الكتاب وأستعيد تلك الذكريات، أجد نفسي أمام سؤال يتجاوز الأشخاص والمراحل: كيف يمكن تحويل الأفكار والتجارب والخبرات المتراكمة إلى مؤسسات وسياسات قادرة على الاستمرار والعطاء عبر الزمن؟

من هذا المنطلق، يبدو مفهوم "العبور الهادئ" أوسع من مجرد انتقال سياسي أو استحقاق انتخابي. فالتحدي الحقيقي أمام الدول لا يتمثل فقط في إدارة المراحل الانتقالية، بل في قدرتها على الانتقال من معالجة الأزمات إلى بناء المؤسسات، ومن إدارة الحاضر إلى التخطيط للمستقبل.

أما اليوم، فإن التحديات المطروحة أمام موريتانيا تفرض مواصلة هذا المسار من خلال تحديث الإدارة، وتعزيز كفاءة المؤسسات، وتحفيز الاقتصاد، وتوسيع فرص المشاركة أمام الكفاءات الوطنية، وترسيخ مبدأ الاستحقاق باعتباره أساسًا للتقدم وتجديد النخب.

كما أن التحولات الاقتصادية المتسارعة تجعل من الضروري إطلاق مشاريع استراتيجية في مجالات الأمن الغذائي والطاقة والصناعة وتثمين الموارد الطبيعية، بما يعزز الإنتاج الوطني ويوفر فرص العمل ويقوي السيادة الاقتصادية للبلاد.

الدول لا تُقاس بعمر المراحل ولا بأسماء الرجال الذين مروا عبرها، بل بقدرتها على تحويل تراكم التجارب إلى رصيد يخدم المستقبل. وحين تنظر الأمم إلى تاريخها بعين النقد والبناء، لا بعين القطيعة أو التقديس، تصبح أكثر قدرة على فهم حاضرها وصناعة مستقبلها.

بقلم: محمد الأمين لحويج