المهندس السالك ولد جلال الطلبة يكتب عن.. إدارة الأزمات وبناء المستقبل

أحد, 2026-06-07 10:37

تابعتُ باهتمام النقاشَ الاقتصادي الذي يدور حول الخيارات الاقتصادية الوطنية المتاحة لمواجهة تداعيات الارتفاع العالمي لأسعار الطاقة وانعكاساته على القدرة الشرائية للمواطن وعلى التوازنات الاقتصادية الكلية…

وهو نقاش لم يكن ليبلغ هذا المستوى من العمق والاهتمام لولا اختيارُ المسؤول الأول عن العمل الحكومي معالي الوزير الاول المختار ولد اجاي مصارحةَ الرأي العام بأسئلة وأجوبة تضمنتْ تفاصيلَ مشفوعةً بأرقام وبراهين مهمة وجّهت اختيارات الحكومة ورجّحتْها. 

ولأني كنت وما زلتُ مهتما ومتابعا لقضايا الاقتصاد والتنمية سأتوقف عند بعض الأفكار التي تم تداولها في هذا النقاش لأسجِّل النقاط التالية:

- ⁠الأرقام والوقائع الاقتصادية، هي الأرضية الصلبة التي يؤسَّس عليها أي نقاش اقتصادي جاد، فمن السهل الاختلافُ حول تحليل الأرقام أو تقديم قراءات مختلفة لها، لكن من الصعب إنكار الأرقام أو نفي الوقائع.

- صحيح أن الدولة خصصت موارد معتبرة للتخفيف من آثار ارتفاع أسعار المحروقات بالتوازي مع برامج الدعم الاجتماعي الموجه، لكن الأمر لا يتعلق بوجود الدعم أصلا وإنما بكلفة زيادة حجم ذلك الدعم وما قد يترتب عليه من تراجع في الاستثمار العمومي؛ فكل مورد يوجه إلى دعم استهلاكي ظرفي هو مورد لا يمكن توجيهه في الوقت نفسه إلى الطرق والطاقة والزراعة والبنية التحتية. ومن هنا تبدو المقاربة الحكومية أكثر اتزاناً لأنها سعت إلى حماية القدرة الشرائية للمواطن دون التضحية بالمشاريع الهيكلية التي تمثل أساس النمو المستقبلي.

- قُدّم طرحٌ يدعو إلى توجيه الجزء الأكبر من الموارد المالية نحو المعالجة الآنية للأزمة، وهو طرحٌ يغفل أن نجاح السياسات العمومية لا يقاس بقدرتها على تخفيف الضغوط الراهنة فقط، بل كذلك بقدرتها على المحافظة على مقومات النمو والاستقرار الاقتصادي على المدى المتوسط والبعيد، فالاقتصاد في الحقيقة هو فن اختيار أفضل البدائل الممكنة، وعليه فإن المحافظة على التوازنات المالية، والاستمرارَ في تنفيذ المشاريع الهيكلية الكبرى، وحماية الفئات الهشة في آن واحد، هو نجاحٌ وتعبير عن رؤية تنموية متكاملة تسعى إلى إدارة الأزمات دون التفريط في بناء المستقبل.

- ⁠- ارتفاعُ نسَب التضخم كان ومازال يشكل تحدياً حقيقياً للأنظمة الاقتصادية، لكن من المهم التمييز بين التضخم المستورد الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة والنقل والمواد الغذائية عالمياً، وبين التضخم الناجم عن اختلالات داخلية. فموريتانيا، كغيرها من الاقتصادات المفتوحة، لا تستطيع عزل نفسها بالكامل عن المتغيرات الدولية، مهما كانت السياسات المتبعة.

- لا يخفى أن ما قدمه بعض المعلقين الاقتصاديين اليوم من استدراك ونقد لاختيار الحكومة لم يقدَّم عندما كانت مسؤولية القرار الاقتصادية بيده أو مشاركا فيها، وهو ما يطرح من الناحية الموضوعية تساؤلاً مشروعاً حول الفجوة بين ما يبدو ممكناً في فضاء التحليل النظري وما يمكن تنفيذه فعلياً عند تحمل مسؤولية إدارة الشأن العام. فإدارة الاقتصاد الوطني لا تتم في ظل ظروف مثالية، وإنما في ظل موارد محدودة وإكراهات داخلية وخارجية متشابكة.

- ⁠ختاما: يسرني هذا النقاش فهو ظاهرةٌ صحية تشرك المواطن في المعلومة، وتسهم في ترقية النقاش العمومي، وفي تعزيز ثقافة المساءلة والشفافية في تناول السياسات الاقتصادية.

السالك جلال الطلبة

مهندس إحصاء وباحث في الاقتصاد القياسي و قضايا التنمية