المهندس سيد أحمد ولد إبراهيم يكتب عن ... السلامة المرورية من خلال تصميم الطرق

أربعاء, 2026-07-08 14:09

أبعد من الرقابة والتوعية... نحو بنية تحتية تنقذ الأرواح

بقلم المهندس سيد أحمد ولد إبراهيم

مهندس رئيسي في الأشغال العامة

المدير العام السابق للبنى التحتية للنقل

خبير في البنى التحتية للنقل والسلامة المرورية

 

السلامة المرورية... رهان تنموي وصحي

تُعدّ السلامة المرورية اليوم أحد أكبر تحديات الصحة العامة والتنمية المستدامة في العالم. فحوادث السير تتسبب سنوياً في وفاة نحو 1.19 مليون شخص وإصابة عشرات الملايين، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الهائلة التي تتراوح بين 3% و5% من الناتج المحلي الإجمالي في العديد من الدول، وهو ما يعادل بالنسبة لموريتانيا خسائر سنوية تتراوح بين 370 و615 مليون دولار أمريكي.

وتُعد إفريقيا أكثر القارات تضرراً، إذ تسجل أعلى معدل للوفيات الناتجة عن حوادث الطرق، رغم امتلاكها نسبة محدودة من أسطول المركبات العالمي، حيث يبلغ معدل الوفيات حوالي 19 وفاة لكل 100 ألف نسمة.

ولا تشكل موريتانيا استثناءً من هذه الحقيقة، إذ لا تزال حوادث السير تحصد الأرواح وتُكبّد الدولة والمجتمع تكاليف بشرية واقتصادية باهظة تثقل كاهل المالية العامة، والقطاع الصحي، والأسر.

إن هذه المعطيات تفرض تغييراً جذرياً في الطريقة التي ننظر بها إلى السلامة المرورية.

 

السلامة المرورية ليست مسؤولية الرقابة وحدها

ظلّت سياسات السلامة المرورية لعقود طويلة ترتكز على أربعة محاور رئيسية:

• مراقبة السائقين؛

• تطبيق قانون السير؛

• التوعية والتحسيس؛

• العقوبات عند ارتكاب المخالفات.

ورغم أهمية هذه التدابير وضرورة استمرارها، فإن التجارب الدولية أثبتت أنها وحدها غير كافية للحد المستدام من الحوادث، لأن الإنسان بطبيعته معرض للخطأ مهما بلغت درجة حذره.

ومن هنا لم يعد السؤال هو: كيف نمنع الخطأ البشري؟ بل أصبح: كيف نمنع أن يتحول هذا الخطأ إلى حادث مميت؟

 

تصميم طرق تتسامح مع الخطأ البشري

يقوم هذا التوجه على مفهوم "النظام الآمن" (Safe System) الذي اعتمدته الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الدولي للطرق (IRF) وكبرى المؤسسات المتخصصة في النقل.

ويستند هذا المفهوم إلى مبدأ بسيط:

الإنسان قد يخطئ، لكن يجب أن يكون النظام المروري مصمماً بحيث لا يؤدي هذا الخطأ إلى الوفاة أو الإصابة البليغة.

ومن هذا المنطلق، تبدأ السلامة المرورية منذ مرحلة التصميم الهندسي للطريق.

فالطريق الحديثة لا ينبغي أن تكون مجرد وسيلة للانتقال، بل يجب أن:

• ترشد السائق بصورة طبيعية؛

• توفر مسافات رؤية كافية؛

• تحد من نقاط التعارض بين مستعملي الطريق؛

• تحمي المشاة ومستخدمي الدراجات؛

• تؤمن التقاطعات؛

• تتحكم في السرعات الفعلية؛

• تقلل من آثار الخروج عن الطريق.

ومن ثم أصبحت جودة التصميم الهندسي أحد أهم عناصر الوقاية من الحوادث.

 

أهداف الأمم المتحدة لسنة 2030

وضعت الأمم المتحدة ضمن عقد العمل للسلامة المرورية (2021-2030) هدفاً يتمثل في خفض الوفيات والإصابات الخطيرة إلى النصف بحلول سنة 2030.

ومن بين أهم الأهداف المرتبطة بالبنية التحتية:

• الهدف الثالث: أن تحقق جميع الطرق الجديدة أو المعاد تأهيلها مستوى لا يقل عن ثلاث نجوم وفق منهجية iRAP.

• الهدف الرابع: أن يتم أكثر من 75% من التنقلات على طرق تحقق هذا المستوى من السلامة.

وتؤكد هذه الأهداف أن جودة البنية التحتية أصبحت عاملاً أساسياً في حماية الأرواح.

 

ترجمة هذه الأهداف إلى واقع على الطرق الموريتانية

يتعين على موريتانيا أن تجعل هذه الأهداف الدولية واقعاً عملياً في مشاريعها الطرقية الجديدة، وفي مقدمتها طريق تجكجة–سيلبابي، من خلال اعتماد مبادئ النظام الآمن ومعايير iRAP منذ مرحلة التصميم.

ويقتضي ذلك التأكد من:

• توافق سرعة التصميم مع السرعات الفعلية؛

• توفير مسافات رؤية كافية؛

• تأمين التقاطعات ومداخل المدن والقرى؛

• إنشاء أكتاف صالحة للاستعمال؛

• معالجة العوائق الجانبية؛

• حماية الفئات الهشة من مستعملي الطريق.

كما ينبغي تطبيق المقاربة نفسها على الشبكة الحالية، وخاصة طريق الأمل، وبوجه خاص المقطع نواكشوط–بوتلميت، الذي يشهد عدداً مرتفعاً من الحوادث الخطيرة.

ويمكن، دون انتظار إعادة بناء الطريق بالكامل، إجراء:

• تدقيقات للسلامة المرورية؛

• تقييمات وفق منهجية iRAP؛

• تحديد النقاط السوداء؛

• برمجة تدخلات تصحيحية تشمل تحسين التشوير، والخطوط الأفقية، والأكتاف، والتقاطعات، ومناطق الاسترداد، وإدارة السرعات.

وقد أثبتت التجارب الدولية أن مثل هذه الإجراءات تحقق انخفاضاً كبيراً في الوفيات بتكاليف أقل بكثير من إعادة الإنشاء الكاملة.

 

الطرق الحضرية والطرق بين المدن

تختلف متطلبات السلامة حسب طبيعة الطريق.

ففي المدن تكون الأولوية لحماية المشاة وراكبي الدراجات من خلال:

• الأرصفة المستمرة؛

• ممرات المشاة الآمنة؛

• الإنارة الجيدة؛

• تهدئة السرعة؛

• تصميم تقاطعات واضحة.

أما الطرق بين المدن فتتطلب:

• تصميماً هندسياً ملائماً؛

• مسافات رؤية كافية؛

• أكتافاً مستقرة؛

• مناطق أمان جانبية؛

• معالجة العوائق؛

• تأمين مداخل التجمعات السكنية؛

• تصميم التقاطعات وفق المعايير الحديثة.

كما ينبغي إدماج السلامة المرورية في جميع مراحل المشروع، بدءاً من الدراسات والتصميم، مروراً بالتنفيذ، وانتهاءً بالتشغيل والصيانة.

 

موريتانيا في مسار واعد لتعزيز السلامة المرورية

شهدت موريتانيا خلال السنوات الأخيرة خطوات مهمة، من أبرزها:

• إنشاء المجلس الوطني للسلامة المرورية برئاسة معالي الوزير الأول؛

• استحداث مديرية متخصصة للسلامة المرورية (مديرية الوقاية وسلامة النقل)؛

• إعداد الاستراتيجية الوطنية للسلامة المرورية 2019-2023؛

• مراجعة قانون السير وتحديثه؛

• تنفيذ استثمارات كبيرة في البنية التحتية، بما في ذلك البرنامج الاستعجالي لتنمية مدينة نواكشوط.

وتعكس هذه الإنجازات إرادة سياسية واضحة لجعل السلامة المرورية أولوية وطنية.

 

الانفتاح على أفضل الممارسات الدولية

شكل التعاون بين وزارة التجهيز والنقل والاتحاد الدولي للطرق (IRF)، في إطار برنامج التصميم الآمن والشامل للطرق في شمال وغرب إفريقيا، والممول من صندوق الأمم المتحدة للسلامة المرورية (UNRSF)، محطة مفصلية في تطوير السياسة الطرقية الوطنية.

ولأول مرة تم إجراء تقييم شامل للمعايير الوطنية الخاصة بالتصميم الهندسي من زاوية السلامة المرورية، مع إعداد خارطة طريق لتحديث المرجعيات الفنية، وتعزيز قدرات المهندسين، وإدماج مبادئ النظام الآمن في المشاريع المستقبلية.

 

الاستثمار في السلامة المرورية استثمار في التنمية

كل حادث يتم تفاديه يعني:

• إنقاذ أرواح؛

• حماية الأسر؛

• تقليص النفقات الصحية؛

• زيادة الإنتاجية الاقتصادية؛

• تخفيف الأعباء عن الدولة.

وقد أثبتت الدراسات أن العائد الاقتصادي للاستثمار في الطرق الآمنة يفوق بكثير تكلفته.

فكل أوقية تُستثمر اليوم في الوقاية توفر على الدولة مستقبلاً نفقات أكبر بكثير مرتبطة بالعلاج والخسائر المادية وفقدان الإنتاج.

ولهذا فإن السلامة المرورية ليست عبئاً مالياً، بل هي استثمار اقتصادي واجتماعي واستراتيجي مربح.

 

الخاتمة

تمتلك موريتانيا اليوم جميع المقومات اللازمة لتحقيق نقلة نوعية في مجال السلامة المرورية، من خلال الإرادة السياسية، والإطار المؤسسي، والشراكات الدولية، وبرامج تحديث البنية التحتية.

ويبقى التحدي الأساسي هو جعل السلامة المرورية جزءاً لا يتجزأ من جميع مراحل المشروع الطرقي، بدءاً من الدراسات والتصميم، مروراً بالتنفيذ، ووصولاً إلى التشغيل والصيانة.

فالطريق الأكثر أماناً ليست تلك التي يكثر فيها التفتيش والرقابة، وإنما هي الطريق التي صُممت ونُفذت منذ البداية لحماية الإنسان.

إن جعل التصميم الهندسي للطرق ركناً أساسياً في سياسة السلامة المرورية هو استثمار في الإنسان، وفي الاقتصاد، وفي مستقبل موريتانيا.

:::

 

بقلم المهندس سيد أحمد ولد إبراهيم 

مهندس رئيسي في الأشغال العامة

مدير عام سابق للبنية التحية للنقل

خبير في البنية التحية للنقل و السلامة الطرقية