
بين صيانة الامتحان وبناء منظومة تصنع النجاح
معالي الوزيرة،السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يسعدني أن أتوجه إلى مقامكم الكريم بخالص الشكر والتقدير على الجهود التي بذلتموها في سبيل حماية الامتحانات الوطنية، ومحاربة ظاهرة الغش، وما سخّر لذلك من إمكانات بشرية ومادية وتنظيمية، حرصًا على صيانة قيمة الشهادة الوطنية، وترسيخًا لمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص بين التلاميذ.ولا شك أن حماية الامتحان من كل ما قد يشوبه من اختلالات مسؤولية وطنية وتربوية وأخلاقية تستحق التقدير، لأن الشهادة لا تكتسب قيمتها إلا حين تكون عنوانًا للاستحقاق الحقيقي والجدارة.
غير أن صيانة الامتحان، على أهميتها، تبقى جزءًا من مسؤولية أكبر وأشمل، تتمثل في بناء منظومة تعليمية قادرة على صناعة النجاح، وتأهيل أجيال تمتلك العلم والمعرفة والمهارات التي تمكنها من مواصلة مسارها الأكاديمي وخدمة وطنها.
فنجاح التعليم لا يُقاس فقط بمدى الانضباط داخل قاعات الامتحان، ولا بقدرة الإدارة على ضبط الإجراءات، وإنما يُقاس قبل ذلك بقدرة المدرسة على إيصال التلميذ إلى تلك القاعة وهو يمتلك المستوى العلمي والثقة بالنفس والمهارات التي تؤهله للنجاح باستحقاق، دون حاجة إلى أي وسيلة غير مشروعة.معالي الوزيرة،إن نتائج البكالوريا ليست مجرد أرقام تعلن في نهاية موسم دراسي، وإنما هي حصيلة مسار طويل يمتد لأكثر من اثنتي عشرة سنة؛ يبدأ منذ دخول الطفل إلى السنة الأولى من التعليم الأساسي، ويمر بالمناهج، والمعلمين، والتكوين، والإدارة، والبيئة المدرسية، والتوجيه، والمتابعة، والدعم التربوي.
وبعد أن يلتحق عشرات الآلاف من أبنائنا بالمدرسة في بدايات مسارهم التعليمي، وبعد ما رصدته الدولة من موارد وجهود كبيرة لقطاع التعليم عبر سنوات طويلة، فإن بقاء نسب النجاح في مستويات محدودة، ومعدلات كثير من الناجحين عند مستويات لا تمكن نسبة معتبرة منهم من الالتحاق بالتخصصات الجامعية النوعية، يفرض علينا وقفة مراجعة هادئة وصادقة حول واقع المنظومة التعليمية وسبل تطويرها.
فالقضية ليست فقط في عدد الناجحين في البكالوريا، وإنما في مستوى التأهيل الحقيقي الذي يحملونه بعد حصولهم على الشهادة. فالشهادة ينبغي أن تكون جسرًا نحو آفاق علمية أوسع، وبوابة إلى التخصصات التي يحتاجها الوطن، لا مجرد وثيقة انتقال من مرحلة إلى أخرى.
ومن المؤلم أن يجد كثير من أبنائنا، ممن بذلوا جهدًا واجتهدوا طوال مسيرتهم الدراسية، أن آمالهم في الوصول إلى تخصصات مهمة داخل الجامعات الوطنية والدولية قد تتقلص بسبب انخفاض المعدلات، لا بسبب ضعف الطموح أو قلة الاجتهاد، وإنما بسبب تراكمات تعليمية ومسارات تحتاج إلى معالجة عميقة وشاملة.كما أن تدني نسبة النجاح لا يعني فقط أن عددًا من التلاميذ لم يحالفهم التوفيق، بل يحمل في طياته سؤالًا أكبر يتعلق بقدرة المنظومة على تحقيق رسالتها الأساسية: وهي تمكين أكبر عدد ممكن من أبنائنا من بلوغ أقصى ما تسمح به قدراتهم.معالي الوزيرة،إن نجاح أبنائنا مطلب عزيز علينا جميعًا، وهو نجاح للوطن قبل أن يكون نجاحًا للأسر. ونحن نفرح بكل طالب يحقق النجاح، ونقدّر كل جهد يبذل في سبيل ذلك.
لكن بقدر ما نهتم بنتائج أبنائنا، فإننا نهتم كذلك بنتائج أداء المسؤولين والمشرفين على العملية التعليمية؛ لأن نجاح هؤلاء مرتبط بقدرتهم على صناعة النجاح وتقليل أسباب الإخفاق.
ولعل من المفيد أن نطرح للتأمل تصورًا تربويًا بسيطًا: لو كانت نتائج أداء المسؤولين عن المنظومة التعليمية تُعلن بالتزامن مع نتائج البكالوريا، لكانت نسبة نجاحهم مرتبطة بنسبة نجاح أبنائنا، ولكانت النسبة المكملة للمائة تعكس حجم ما تحتاجه المنظومة من مراجعة وتطوير.فإذا نجح جزء محدود من التلاميذ، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند: لماذا أخفق هؤلاء التلاميذ؟
وإنما ينبغي أن يمتد إلى سؤال أعمق وأكثر إنصافًا: لماذا لم تتمكن المنظومة، بكل مكوناتها وإمكاناتها، من إيصال العدد الأكبر منهم إلى مستوى النجاح؟
فالتلميذ هو الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة، ولا يمكن تحميله وحده مسؤولية نتيجة هي ثمرة سنوات من التخطيط والمناهج والتدريس والتوجيه والإدارة والتقويم.إن المسؤولين عن التعليم ليسوا خصومًا للتلاميذ، وإنما هم شركاء في صناعة مستقبلهم، وأمناء على طاقاتهم وأحلامهم.
ولذلك فإن ضعف النتائج لا ينبغي أن يكون مناسبة للبحث عن طرف واحد نحمّله المسؤولية، بل فرصة لمراجعة جماعية صادقة لكل عناصر المنظومة.معالي الوزيرة،إن الطالب عندما يدخل قاعة الامتحان ينبغي أن يشعر أنه يدخل محطة تتوج سنوات من الجد والاجتهاد، لا ساحة مواجهة أو اختبار للشك والاتهام.
فالإجراءات التنظيمية والرقابية مطلوبة، وهي جزء من حماية العدالة بين المتنافسين، لكنها ينبغي أن تتم في إطار تربوي يحفظ كرامة المتعلم، ويصون نفسيته، ويعزز ثقته بمؤسسته التعليمية. فالمدرسة لا تبني هيبتها بالخوف وحده، وإنما تبنيها بالاحترام، والعدل، وجودة التعليم.
وليس الطالب مشروع متهم، بل هو مشروع مواطن صالح منتج. وكلما شعر بالرعاية والإنصاف والانتماء، كان أكثر قدرة على النجاح والعطاء.
وفي هذا السياق، استوقفني ما ذكره الخبير التربوي الدكتور أحمد المقري في إحدى مداخلاته، حين أوضح أن المشكلة الأساسية في المنظومة التعليمية لا تتمثل فقط في ظاهرة الغش، التي رغم خطورتها الأخلاقية تبقى محدودة مقارنة بحجم التحديات الكبرى، وإنما تتمثل في مشكلات أعمق، وفي مقدمتها ارتفاع نسب الرسوب، وضعف التحصيل، وتراجع المردودية التعليمية.
وهذه الرؤية لا تقلل من أهمية مكافحة الغش، فهي ضرورة للحفاظ على مصداقية الامتحان وعدالة الشهادة، لكنها تذكرنا بأن الإصلاح الحقيقي لا يكتفي بمعالجة الظواهر الظاهرة، بل يبحث عن جذورها وأسبابها.
فأفضل وسيلة لمحاربة الغش ليست فقط تشديد الرقابة، وإنما بناء طالب يمتلك المعرفة والثقة والقدرة على النجاح باستحقاق، بحيث لا يحتاج الى الغش ولا حتى التفكير فيه وهذا في حد ذاته هو افضل نجاح.معالي الوزيرةإن المدرسة الناجحة لا تنتج امتحانات منضبطة فقط، وإنما تنتج إنسانًا قادرًا على التفكير والإبداع والمنافسة والتعلم المستمر.
كما أن هيبة المؤسسة التعليمية لا تُبنى بكثرة القيود والإجراءات وحدها، وإنما تُبنى بجودة التعليم، وعدالة التقويم، واحترام المعلم والمتعلم، وبناء شراكة حقيقية بين المدرسة والأسرة والمجتمع.ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شجاعة في المراجعة، وانفتاح على أهل الخبرة والميدان، واستعداد للاستفادة من كل تجربة ناجحة، وعدم التردد في تغيير كل أسلوب لم يثبت قدرته على تحقيق النتائج المرجوة.فالأمم لا تتقدم بالدفاع عن أخطائها، وإنما بالشجاعة في تصحيح مساراتها.
والمراجعة ليست اعترافًا بالفشل، بل دليل على قوة المسؤولية وصدق الرغبة في الإصلاح.
إن الوطن لا يحتاج فقط إلى امتحان أكثر صرامة، بل يحتاج إلى مدرسة أكثر قدرة على صناعة الإنسان؛ مدرسة تجمع بين الانضباط والرحمة، وبين الحزم والتحفيز، وبين العلم والقيم، وبين الجودة والإنصاف.وبقدر ما نحرص على نجاح أبنائنا، فإننا نحرص كذلك على نجاح المسؤولين عن تعليمهم في أداء رسالتهم؛ لأن نجاح المدرسة نجاح للوطن كله، وإخفاقها مسؤولية مشتركة تستدعي التعاون والمراجعة والتطوير.
نسأل الله تعالى أن يوفقكم في حمل هذه الأمانة العظيمة، وأن يجعل جهودكم خالصة لخدمة أبنائنا ومستقبل بلادنا، وأن يوفقكم إلى القرارات التي تبني تعليمًا قويًا، ومجتمعًا أكثر علمًا، ووطنًا أكثر تقدمًا وازدهارًا.وتفضلوا، معالي الوزيرة، بقبول فائق الاحترام والتقدير.
مع كامل الشكر والتقدير
بناني النحوي







