
في عالم يتزايد فيه الطلب على الغذاء عامًا بعد عام، وتبحث فيه الدول عن مصادر جديدة وآمنة للحوم ومنتجات الألبان، تمتلك موريتانيا ثروة قلّ أن تجتمع لدولة واحدة: ملايين الرؤوس من الإبل والأبقار والأغنام والماعز، ومساحات رعوية شاسعة، وسلالات حيوانية اشتهرت بجودة لحومها وقدرتها على التأقلم مع البيئات القاسية. ومع ذلك، لا تزال هذه الثروة الهائلة بعيدة عن المكانة الاقتصادية التي تستحقها.
لقد جاء التعداد الوطني الأخير الذي أنجزته وزارة التنمية الحيوانية ليؤكد ما كان يدركه الموريتانيون منذ زمن، وهو أن البلاد تمتلك ثروة حيوانية معتبرة تمثل أحد أهم الأصول الاقتصادية الوطنية. بل إن كثيرًا من المتابعين يرون أن الأرقام المعلنة، على أهميتها، لا تعكس الحجم الحقيقي لهذه الثروة، نظرًا لأن التعداد لم يشمل جميع المناطق والقطعان، خاصة تلك الموجودة في المناطق النائية أو كثيرة التنقل.
لكن الأرقام، مهما بلغت، ليست هي القضية الأساسية؛ فالقضية الحقيقية تكمن في كيفية تحويل هذه الثروة من رصيد طبيعي إلى قوة اقتصادية منتجة، ومن نشاط رعوي تقليدي إلى صناعة متكاملة تخلق فرص العمل، وتحقق الأمن الغذائي، وتدر العملات الصعبة.
لقد اعتمدت التنمية الحيوانية في موريتانيا، عبر تاريخها الطويل، على نظام الانتجاع الطبيعي، وهو نظام أثبت كفاءته في ظروف بيئية كانت أكثر استقرارًا وأكثر سخاءً في توفير المراعي والمياه. غير أن العقود الأخيرة شهدت تغيرات عميقة فرضت واقعًا جديدًا؛ فالتغيرات المناخية، وتكرار سنوات الجفاف، وانحسار الغطاء النباتي، وجود التعدين الأهلي والتوسع الزراعي والعمراني، كلها عوامل قلصت من قدرة المراعي الطبيعية على تلبية احتياجات القطعان المتزايدة.
ولم تقف التحديات عند حدود الطبيعة، بل امتدت إلى العنصر البشري أيضًا. فقد أصبحت مهنة الرعي أقل جذبًا للأجيال الجديدة، في ظل ظهور أنشطة اقتصادية بديلة، مثل التعدين الأهلي والتجارة والخدمات، بما توفره من دخل أسرع وظروف معيشية أقل مشقة. وإذا استمر هذا الاتجاه دون معالجة، فإن القطاع قد يفقد تدريجيًا أهم عناصر قوته، وهو الإنسان الذي راكم خبرة قرون في تربية الماشية وإدارتها.
ورغم كل ذلك، فإن مستقبل الثروة الحيوانية في موريتانيا يبدو أكثر إشراقًا من أي وقت مضى. فالطلب العالمي على اللحوم الحمراء ومنتجات الألبان يتزايد باستمرار، بينما تمتلك موريتانيا ميزة تنافسية نادرة تتمثل في الإنتاج الطبيعي للحيوانات المعتمدة في معظم مراحل تربيتها على المراعي، وهو ما يمنح لحومها جودة عالية ويجعلها أكثر قبولًا في كثير من الأسواق.
كما أن الاهتمام الدولي المتزايد بالمنتجات الحيوانية الموريتانية يمثل مؤشرًا بالغ الأهمية. فقد شهدت البلاد مؤخرًا زيارة وفد رفيع المستوى من الجهات المختصة بالأضاحي في المملكة العربية السعودية، في خطوة تعكس اهتمامًا متناميًا بالاستفادة من الإمكانات التي تزخر بها موريتانيا في مجال تصدير المواشي واللحوم. وهذه ليست مجرد زيارة بروتوكولية، بل رسالة واضحة بأن الأسواق الإقليمية والدولية بدأت تنظر إلى موريتانيا بوصفها شريكًا قادرًا على الإسهام في تحقيق الأمن الغذائي.
غير أن الاستجابة لهذه الفرصة التاريخية تقتضي تغييرًا في فلسفة إدارة القطاع. فالمطلوب اليوم ليس التخلي عن الرعي التقليدي، وإنما تطويره وإسناده بنظام حديث يعتمد على الإنتاج المكثف وشبه المكثف، بحيث يصبح الرعي الطبيعي جزءًا من منظومة إنتاج أكثر استقرارًا وكفاءة.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على عاتق الدولة والقطاع الخاص والمربين معًا. فالدولة مطالبة بوضع سياسة وطنية طموحة تجعل التنمية الحيوانية أولوية اقتصادية، من خلال تشجيع زراعة الأعلاف، وتخصيص الأراضي للمستثمرين، وتسهيل حفر الآبار واستغلال المياه، وتوفير الكهرباء والبنية التحتية، وتعزيز الخدمات البيطرية، ودعم برامج التحسين الوراثي، وإنشاء مراكز حديثة للتجميع والتسمين والإنتاج.
كما ينبغي أن تمتد هذه الرؤية إلى الصناعات التحويلية، فالقيمة الاقتصادية الحقيقية لا تتحقق عند بيع الحيوان حيًا، وإنما عند تحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة؛ من لحوم معبأة وفق المعايير الدولية، وألبان مبسترة ومجففة، وأجبان وألبان مخمرة، وجلود مصنعة، وأعلاف، وحتى مستحضرات تجميل وأدوية تعتمد على مشتقات الإنتاج الحيواني. وهنا تتضاعف العوائد الاقتصادية، وتتوسع فرص العمل، وتتطور الخبرات الوطنية
ولا يقل أهمية عن ذلك تشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي في هذا القطاع، من خلال حوافز ضريبية وتمويل ميسر وضمانات قانونية، بما يخلق بيئة جاذبة لرؤوس الأموال. فالاستثمار في الثروة الحيوانية ليس استثمارًا في قطاع واحد، بل هو استثمار في الزراعة، والصناعة، والنقل، والتجارة، والخدمات، والتعليم، والبحث العلمي، والتنمية الريفية في آن واحد.
إن موريتانيا تمتلك اليوم فرصة قد لا تتكرر. فهي من الدول القليلة التي ما زالت تحتفظ بقطيع ضخم، وسلالات أصيلة، وطلب محلي مرتفع، واهتمام إقليمي ودولي متزايد بمنتجاتها الحيوانية. وما ينقصها ليس الموارد، بل الانتقال من إدارة الثروة إلى صناعة الثروة.
لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الثروة الحيوانية يمكن أن تتحول إلى أحد أكبر مصادر الدخل القومي متى توفرت الرؤية والاستثمار والإدارة الرشيدة. وموريتانيا ليست أقل حظًا من تلك الدول، بل إنها تمتلك من المقومات الطبيعية والبشرية ما يؤهلها لتكون إحدى القوى الرائدة في هذا المجال على مستوى إفريقيا والعالم العربي.
إن المستقبل الاقتصادي لموريتانيا لا ينبغي أن يُبنى على قطاع واحد، مهما بلغت أهميته، وإنما على تنويع مصادر الثروة. وإذا كانت المعادن تمثل ثروة باطن الأرض، والأسماك ثروة البحر، فإن الثروة الحيوانية هي ثروة الأرض والإنسان معًا، وهي الأقدر على تحقيق تنمية شاملة تمتد آثارها إلى كل قرية وريف ومدينة….
إنها فرصة تاريخية تستحق أن تتحول إلى مشروع وطني جامع، تُسخَّر له الإرادة السياسية، ويُحفَّز له المستثمر، ويُدعَم فيه المربي، حتى تصبح عبارة “صنع في موريتانيا” على منتجات اللحوم والألبان عنوانًا للجودة، ورمزًا لاقتصاد منتج، ودليلًا على أن البلاد أحسنت استثمار واحدة من أعظم نعم الله.
المهندس/ سيدي محمد محمد عبدو







