محمد الأمين لحويج يكتب .. إلى أين نسير؟

جمعة, 2026-10-02 20:48

حين يطرح رئيس الجمهورية، من مدينة أطار، سؤالًا كبيرًا مثل: «إلى أين نسير؟»، فإن السؤال يستحق من النخب أن تتوقف عنده؛ لا بالتصفيق ولا بالتشاؤم، بل بمحاولة الإجابة عنه.

 

أعادني هذا السؤال إلى مقال كتبه الأستاذ محمد يحظيه ولد ابريد الليل عام 2004، متسائلًا عن اتجاه البلاد، ومحذرًا من أن تراكم الاختلالات قد يلحظه كل من يقرأ الواقع، حتى إن لم تكن لديه معلومات خاصة.

 

موريتانيا اليوم ليست موريتانيا عام 2004، ولا يصح إسقاط ظروف الأمس على الحاضر. لكن العبرة ما تزال قائمة: الدولة الحكيمة تقرأ الإشارات قبل أن تتحول إلى أزمات، وتراجع مسارها قبل أن تضطرها الأحداث إلى ذلك.

 

وما يستحق التوقف عنده أن السؤال صدر هذه المرة عن رأس الدولة نفسه.

 

تابعت، مثل غيري، الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ولاحظت فيه خصالًا تستحق الإنصاف: عفة اللسان، وهدوء السلوك، واحترام الآخرين، والابتعاد عن التجريح. وفيما سمعته من خطاباته، لم أره يجعل الإساءة إلى من سبقوه وسيلة للدفاع عن عهده، ولا يحول الاختلاف إلى مبرر للنيل من مخالفيه. وهذه أخلاق ترفع صاحب السلطة ولا تنتقص من هيبته.

 

ومن باب الإنصاف أيضًا، لمست في رئيس حكومته الجدية، والاستماع إلى الآراء والتفاعل معها، كما لمست في مدير ديوان رئيس الجمهورية الاهتمام والمتابعة. أذكر هذه الملاحظات كما رأيتها، فالإنصاف يقتضي أن نسجل الإيجابي، وأن ننتقد الخلل في الوقت نفسه.

 

وتظهر القيمة الحقيقية لهذه الخصال حين لا تبقى مرتبطة بالأشخاص، بل تتحول من صفات في قمة الدولة إلى ثقافة تسري في مؤسساتها كلها: إدارة تستمع، ومسؤول يحترم المواطن، ومؤسسات تتقبل النقد، ونظام يكتشف أخطاءه ويصححها.

 

حاولت منذ فترة أن أجيب بطريقتي عن سؤال: إلى أين ينبغي أن نسير؟ وكان ذلك في كتاب ألفته وأسميته «الدكتاتورية المنشودة»، وهو محاولة للبحث عن نظام صارم وعادل، لا عن الاستبداد؛ نظام يحدد المسار، ثم يلتزم بالتنفيذ والمحاسبة والتصحيح.

 

علينا أولًا أن نحدد النموذج الذي يناسبنا نحن، والمسار الاقتصادي والاجتماعي الملائم لمجتمعنا وواقعنا، بدل أن نظل ننسخ أفكار الآخرين وتجاربهم ونحاول إسقاطها علينا. نحتاج إلى نموذج في الحكم والتنمية ينسجم مع واقعنا، وإلى رؤية واضحة، ثم إلى الصرامة في تنفيذ ما اخترناه.

 

وحين نحدد الهدف والوجهة، يصبح ما نفعله اليوم جزءًا مما أسميه «ماضي المستقبل». وهنا تحضرني عبارة الأديب الراحل ولد هدار:

 

«اتمشيت اف شي تمشاي

اطلع ابتيت اكبار أف شي جاي...»

 

فما نتجه إليه اليوم سيصبح غدًا ماضينا. وهذا ليس ترفًا فكريًا، بل مسؤولية؛ لأن ما نقرره ونفعله اليوم هو ما سنتركه لمن يأتي بعدنا.

 

وهذا يقتضي تحديدًا واضحًا لمهام الحكومة، وأولويات التنمية، ومسؤولية كل مؤسسة وكل مسؤول، إلى جانب وضع آليات للمتابعة والمحاسبة والتصحيح.

 

والبحث عن مسارنا الخاص لا يعني الانغلاق على أنفسنا. علينا أن نراقب العالم باستمرار: إلى أين يتجه الاقتصاد؟ وإلى أين تتجه التكنولوجيا والطاقة والتعليم؟ ما الذي نجح عند الآخرين، وما الذي فشل؟ وأين نقف نحن من كل ذلك؟

 

نستفيد من العالم، لكن لا ننسخه.

 

وجواب سؤال أطار يبدأ، في تقديري، بسؤال آخر: إلى أين نريد نحن أن نسير؟

 

نريد أن نسير نحو دولة مؤسسات، ونحو الإنتاج لا الاستهلاك، ونحو الكفاءة بمعناها العلمي والاجتماعي؛ أي الجمع بين المعرفة والتخصص من جهة، ومعرفة المجتمع وفهم واقعه من جهة أخرى. نريد دولة تحول ثرواتها إلى تعليم وعمل وصناعة وتنمية، وتستمع إلى شبابها وكفاءاتها، ولا تحصر الحوار بين الموالاة والمعارضة، بل تفتح الباب أيضًا أمام تلك النخبة الصامتة: أولئك الذين لا يصنفون أنفسهم بالضرورة في الموالاة أو المعارضة، ولديهم رأي وتجربة وما يمكن أن يقدموه لوطنهم.

 

كان سؤال «إلى أين نسير؟» في مرحلة سابقة سؤال تحذير، ويمكن أن يكون اليوم سؤال اختيار وبناء.

 

فالخطر ليس في أن نكتشف أن الطريق يحتاج إلى تصحيح؛ إذ تخطئ كل الدول وتراجع سياساتها. الخطر أن نستمر في السير من دون تحديد الوجهة.

 

ويمكن اختصار جوابي في معادلة بسيطة: نختار مسارًا موريتانيًا يناسب مجتمعنا وإمكاناتنا، ونستفيد من تجارب العالم دون أن نستنسخها، ثم نكون صارمين في التنفيذ والمتابعة والمحاسبة والتصحيح.

 

فطرح السؤال في حد ذاته بداية مهمة، لأنه يفتح باب المراجعة والتفكير في المسار. وعلى النخب أن تجيب، وعلى الدولة أن تستمع، ثم تأتي مسؤولية تحويل ما نتفق عليه من رؤية إلى عمل.

 

محمد الأمين لحويج