
طالعتُ خلال الأيام الأخيرة دعوات أطلقتها شخصيات سياسية ورؤساء أحزاب كانوا إلى وقت قريب، محسوبين على الأغلبية الداعمة لخيارات رئيس الجمهورية، تدعو إلى مقاطعة الحوار الوطني المرتقب. وقد أثار ذلك في نفسي شيئا من الأسى والاستغراب؛ إذ كيف تمكن الدعوة إلى مقاطعة حوار يراد له أن يكون شاملا، وأن يشكّل فرصة حقيقية لتشخيص مشكلات البلد والبحث عن حلول جذرية لها، ورسم معالم مرحلة جديدة تقوم على التوافق والاستقرار؟
إنني أرى أن مقاطعة هذا الحوار في ظل الظروف الدقيقة التي تمر بها بلادنا والمنطقة عموما ليست الخيار الأجدى ولا الموقف الأكثر خدمة للمصلحة الوطنية. فالمواطنة الحقة تقتضي من كل مواطن، ومن السياسي على وجه الخصوص، أن يجعل مصلحة الوطن نصب عينيه، وأن يسهم، كلٌّ من موقعه، في البحث عن حلول للتحديات التي تواجه البلاد.
والحوار مهما تباينت وجهات النظر بشأنه يظل إحدى أهم الوسائل السلمية لمعالجة الخلافات وتقريب المواقف، ما دامت تتوافر الإرادة الصادقة للاستماع المتبادل والقبول بالنقاش الجاد.
إننا اليوم ونحن نشاهد ما آلت إليه الأوضاع في بعض البلدان المجاورة من اضطرابات وصراعات وحروب، أحوج ما نكون إلى تكاتف الجهود، وتغليب لغة العقل، والجلوس إلى طاولة واحدة، بعيدا عن الحسابات الضيقة والمصالح الحزبية الآنية. فالأوطان لا تبنى بالإقصاء، ولا تحمى بتعطيل فرص التفاهم، وإنما تصان بالحكمة والتوافق، وبالقدرة على إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى سبب للفرقة والانقسام.
ومن هذا المنطلق ينبغي أن يكون الحوار المرتقب فرصة حقيقية لفتح جميع الملفات الوطنية الشائكة، دون انتقائية أو مواربة، وأن تناقش بجرأة ومسؤولية، وفي مقدمتها مكافحة الفساد وترسيخ الشفافية، وتسوية ملف الإرث الإنساني بما يضمن الإنصاف وجبر الضرر، وتعزيز الوحدة الوطنية، وإصلاح الإدارة والعدالة، وتطوير المنظومة السياسية والدستورية، فضلا عن بحث سبل تحسين الظروف المعيشية للمواطنين، وتكريس دولة القانون والمؤسسات.
كما ينبغي أن يشمل النقاش مستقبل نظام الحكم في البلاد، ومدى ملاءمة النظام الرئاسي القائم، أو إمكان تبني صيغة برلمانية أو غيرها من الصيغ الديمقراطية، فضلا عن القضايا المتعلقة بالمأموريات الرئاسية والضمانات الدستورية المنظمة لتداول السلطة، فالدستور -على عظم مكانته بوصفه المرجعية القانونية العليا في الدولة- ليس نصا مقدسا خارجا عن إرادة المجتمع، وإنما هو منظومة من القواعد القانونية التي تنظم شؤون الحكم والحقوق والحريات، ويمكن مراجعته وفق الإجراءات الدستورية المقررة كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك، مع صون المبادئ الديمقراطية وضمان الاستقرار المؤسسي.
ولا ينبغي أن يفهم طرح هذه الملفات على أنه دعوة مسبقة إلى تبني خيار بعينه، بل هو تأكيد على ضرورة إتاحة المجال لنقاش وطني حر ومسؤول، تعرض فيه الآراء المختلفة، وتدرس البدائل المتاحة، وتقدّم المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية والحزبية.
ولكي يحقق هذا الحوار الأهداف المرجوة منه، فلا بد من ضمان شموليته، وإشراك مختلف أطياف المجتمع في أعماله، من أحزاب سياسية ومعارضة وأغلبية، ونخب فكرية وأكاديمية، ونقابات مهنية وعمالية، وشباب ونساء، وممثلين عن المجتمع المدني وسائر المكونات الوطنية. كما أقترح تنظيم ورشات تشاورية في الداخل والخارج، تتيح للمواطنين والخبراء تقديم تصوراتهم ومقترحاتهم، حتى لا يظل الحوار حبيس النخب السياسية، بل يتحول إلى مسار وطني يستوعب تطلعات المجتمع بمختلف فئاته.
ومن المهم كذلك أن تفضي أعمال الحوار إلى مخرجات واضحة وقابلة للتنفيذ، وأن تحدّد لها آجال وآليات متابعة دقيقة، مع إنشاء لجنة مستقلة من ذوي الكفاءة والنزاهة والحكمة، تتولى متابعة تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وإصدار تقارير دورية بشأن مستوى التقدم في تطبيقه. فالعبرة ليست بمجرد انعقاد الحوار أو صدور التوصيات، وإنما بمدى ترجمة تلك التوصيات إلى إصلاحات ملموسة يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية.
أما في ما يتعلق بالمرحلة السياسية المقبلة، فإنني أرى أن بلادنا، في ظل ما تشهده المنطقة من حروب واضطرابات وما يحيط بها من تحديات أمنية وسياسية واقتصادية، تحتاج إلى قدر كبير من الحكمة والتبصر، وإلى تجنب المغامرات التي قد تهدد استقرارها.
ومن هذا المنطلق أؤيد استمرار النهج القائم على التهدئة والحوار والتعاطي الإيجابي مع الملفات الوطنية، وأرى أن استمرار القيادة الحالية، في إطار الشرعية الدستورية والإرادة الشعبية، قد يسهم في استكمال مسيرة التنمية وتعزيز الاستقرار وتجاوز هذه المرحلة الدقيقة، تحت قيادة صاحب الفخامة رئيس الجمهورية.
غير أن الحفاظ على الاستقرار لا يتعارض مع الإصلاح، كما أن الاستفادة من التجربة لا تعني إغلاق باب النقاش حول مستقبل البلاد، بل إن الاستقرار الحقيقي هو الذي يقوم على مؤسسات قوية، وعدالة ناجحة، وحكم رشيد، ومكافحة جادة للفساد، واحترام الدستور، وصون الحقوق والحريات، وتعزيز ثقة المواطن في الدولة.
إنني أدعو جميع الفاعلين السياسيين إلى مراجعة مواقفهم من الحوار المرتقب، وإلى تغليب منطق المشاركة على خيار المقاطعة، ما دام باب الحوار مفتوحا، وما دامت هناك فرصة للتأثير في مخرجاته والدفاع عن المطالب المشروعة من داخله. فالاختلاف في الرأي حق، والمقاطعة موقف سياسي ممكن، لكن المسؤولية الوطنية تقتضي تقدير عواقب المواقف واختيار الوسائل الأقدر على تحقيق الإصلاح.
إن موريتانيا أكبر من خلافات السياسيين، ومصلحتها أسمى من الحسابات الحزبية الضيقة. فلنجعل من هذا الحوار فرصة لتجديد الثقة، وتصحيح الاختلالات، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ الاستقرار، وبناء دولة المؤسسات والقانون، فالأوطان لا تحتاج إلى مزيد من الانقسام، بقدر ما تحتاج إلى رجال ونساء يمتلكون الشجاعة للاختلاف، والحكمة للتوافق، والإرادة لتحويل الأقوال إلى أفعال.







