خاص (موريتانيا اليوم): قراءة معمقة في خطاب معالي الوزير الأول السيد المختار ولد أجاي أمام الجمعية الوطنية

سبت, 2026-11-07 14:07

لم يكن خطاب معالي الوزير الأول، السيد المختار ولد أجاي، أمام الجمعية الوطنية مجرد عرض تقليدي لحصيلة العمل الحكومي أو استعراض للبرامج والمشاريع المنفذة، بل جاء في صيغة إعلان سياسي واقتصادي واجتماعي متكامل، يحمل رسائل متعددة، ويؤسس لمرحلة جديدة في تنفيذ برنامج فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني.

 

فالخطاب، في بنيته ومضامينه وترتيب أولوياته، يتجاوز تقديم حصيلة الحكومة السابقة إلى محاولة رسم ملامح المرحلة المقبلة، وتحديد طبيعة التحولات المطلوبة في إدارة الدولة والاقتصاد والمجتمع، مع التأكيد على أن الرهان الأساسي لم يعد مقتصرًا على إنشاء البنى التحتية وتوفير الخدمات الأساسية، بل أصبح يتمثل في تحويل الاستثمارات العمومية إلى أنشطة اقتصادية منتجة، وفرص عمل، وتحسين مباشر ومستدام للظروف المعيشية للمواطنين.

 

ويمكن قراءة الخطاب من خلال سبعة أبعاد رئيسية تكشف دلالاته السياسية والتنموية، والرسائل التي أراد الوزير الأول إيصالها إلى البرلمان والرأي العام.

 

أولًا: خطاب استمرارية المشروع الرئاسي وليس مجرد برنامج حكومي جديد

 

أبرز رسالة سياسية في الخطاب هي التأكيد على أن الحكومة الجديدة ليست قطيعة مع الحكومة السابقة، وإنما امتداد لمسار سياسي وتنموي يقوده رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني.

وقد كان الوزير الأول واضحًا في تحديد المرجعية السياسية للحكومة، حين أكد أنها تستند حصريًا إلى الرؤية والمبادئ المؤسسة للمشروع المجتمعي لرئيس الجمهورية، الذي يجسده برنامج «طموحي للوطن».

 

هذه العبارة ليست تفصيلًا بروتوكوليًا، بل تحمل دلالة سياسية مهمة؛ فهي تعيد وضع المسؤولية السياسية والاستراتيجية في إطار المشروع الرئاسي، وتؤكد أن تغيير التشكيلة الحكومية لا يعني تغيير الوجهة أو التخلي عن الالتزامات السابقة.

 

كما أن تأكيد الوزير الأول مواصلة تنفيذ إعلان السياسة العامة لسنة 2024، والالتزامات الواردة في خطة العمل الحكومية لسنة 2026، يعكس رغبة واضحة في ترسيخ مفهوم الاستمرارية المؤسسية، والابتعاد عن منطق إعادة إطلاق البرامج مع كل تغيير حكومي.

 

والأهم أن الخطاب قدم الاستمرارية باعتبارها خيارًا استراتيجيًا للدولة، لا مجرد تمسك بحصيلة حكومة بعينها.

وهنا تتجلى إحدى أهم رسائل الخطاب: ما تحقق في السنوات الماضية يمثل قاعدة للبناء، وليس نقطة نهاية للمسار التنموي.

ثانيًا: الدفاع عن الحصيلة مع الاعتراف بوجود اختلالات

خصص الوزير الأول مساحة معتبرة لاستعراض ما تحقق منذ عام 2019، مستندًا إلى مؤشرات رقمية في قطاعات الاقتصاد والتعليم والصحة والمياه والكهرباء والطرق والحماية الاجتماعية.

ومن أبرز الأرقام التي استحضرها:

 

تجاوز متوسط النمو الاقتصادي 4% خلال الفترة 2019–2026.

انخفاض الدين العام الخارجي إلى أقل من 40% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2026.

 

إنجاز نحو 7600 حجرة دراسية منذ عام 2019.

 

ارتفاع عدد المستفيدين من الضمان الاجتماعي إلى أكثر من 1.4 مليون شخص.

 

إنجاز 784 كيلومترًا من الطرق الجديدة، وإعادة بناء 997 كيلومترًا.

 

استفادة أكثر من 350 ألف أسرة من التحويلات النقدية لأول مرة.

توسع الاستثمارات في المستشفيات والمراكز والنقاط الصحية وشبكات المياه والكهرباء.

 

هذه الأرقام تؤدي وظيفة سياسية واضحة، تتمثل في تقديم شواهد ملموسة على أن السنوات الماضية لم تكن مجرد فترة تسيير اعتيادي، وإنما شهدت توسعا في الاستثمار العمومي، وتطورًا في الخدمات الأساسية، وتحسنًا في بعض المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية.

 

لكن اللافت أن الوزير الأول لم يقدم الحصيلة باعتبارها مكتملة، بل أقر صراحة بوجود النقص والقصور، وأكد أن ما تحقق لا يزال دون مستوى طموح رئيس الجمهورية وانتظارات المواطنين.

 

وهذا الاعتراف مهم من الناحية السياسية؛ لأنه يخفف من الطابع الاحتفائي للخطاب، ويمنحه قدرًا من الواقعية، ويهيئ الرأي العام لتقبل الانتقال من مرحلة الدفاع عن المنجز إلى مرحلة تقييمه وتصحيح اختلالاته.

 

كما أن إشارته إلى حادث احتراق محطتي الكهرباء، والتزام الحكومة بمعالجة آثاره وإصلاح الاختلالات الهيكلية في الشركة الموريتانية للكهرباء، تمثل اعترافًا بأن بعض القطاعات ما زالت تواجه مشكلات بنيوية لا يمكن تجاوزها بمجرد الإعلان عن المشاريع.

 

ثالثًا: التحول الأبرز.. من توفير الخدمات الأساسية إلى صناعة النشاط الاقتصادي في الداخل

 

ربما تكون هذه النقطة هي الأكثر أهمية في الخطاب من حيث الرؤية التنموية.

 

فالحكومة تعلن، بوضوح، أنها تعتبر أن المرحلة الماضية ركزت بدرجة كبيرة على بناء البنية التحتية وتوسيع النفاذ إلى الخدمات الأساسية، وأن المرحلة المقبلة ينبغي أن تنتقل إلى استثمار تلك البنية في خلق أنشطة اقتصادية منظمة داخل الولايات.

 

وهنا تظهر دلالة استحضار الوزير الأول لتوجيهات رئيس الجمهورية خلال زيارته الأخيرة لولايات آدرار وإنشيري، خصوصًا حديثه عن ضرورة كسر الفكرة القائلة إن الانتقال إلى نواكشوط هو الطريق الوحيد للحصول على العلاج أو التعليم أو العمل.

 

إن هذا التوجه يعكس إدراكًا رسميًا لمشكلة الاختلال الجغرافي في توزيع النشاط الاقتصادي والفرص، ولما تسببه المركزية الاقتصادية من ضغط على العاصمة، واستنزاف للطاقات البشرية في الولايات الداخلية.

والأهم أن الخطاب لم يكتف بالدعوة إلى تنمية الداخل، بل طرح أدوات عملية لتحقيق ذلك، من بينها:

 

إعداد برنامج اقتصادي خاص لتنشيط الولايات الداخلية.

تثمين المزايا النسبية لكل ولاية.

 

دعم الزراعة والتنمية الحيوانية والخدمات الحضرية.

 

مضاعفة التمويلات الموجهة للمبادرات الشبابية.

 

تقديم حوافز تمويلية وضريبية للاستثمار في الداخل.

 

إنشاء صندوق خاص لتشجيع تمويل التنمية في الولايات الداخلية.

إعداد مخططات عمرانية لعواصم الولايات والمقاطعات.

 

وهذا يعني أن الحكومة تريد الانتقال من سياسة توصيل الخدمات إلى سياسة توطين التنمية.

 

وهو تحول مهم؛ لأن بناء المدارس والمستشفيات والطرق وشبكات المياه والكهرباء، على أهميته، لا يكفي وحده لتحقيق التنمية إذا لم تصاحبه أنشطة إنتاجية تخلق الثروة وتوفر فرص العمل وتحد من الهجرة الداخلية.

 

بمعنى آخر، يريد الخطاب أن يجعل من الولايات الداخلية فضاءات للإنتاج والاستثمار والتشغيل، لا مجرد مناطق مستفيدة من تدخلات الدولة الاجتماعية.

 

وهذه الرؤية تكتسب أهمية خاصة بالنسبة للولايات الزراعية والرعوية، وفي مقدمتها لبراكنه واترارزة وكوركول والحوضين والعصابه، حيث تتوفر إمكانات معتبرة في الزراعة والتنمية الحيوانية، لكنها تحتاج إلى التمويل والتأطير والتسويق والبنية التحتية الاقتصادية.

 

رابعًا: القدرة الشرائية للمواطن.. الانتقال من الحماية الاجتماعية إلى مواجهة مباشرة مع تكاليف المعيشة

 

احتلت مسألة القدرة الشرائية موقع الصدارة في الأولويات الجديدة، وهو ما يعكس إدراك الحكومة لتأثير الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط على الأسعار والتموين وتكاليف النقل والإنتاج.

 

وقد أشار الوزير الأول إلى ارتفاع تراكمي في مؤشر الأسعار بنحو 7.3% بين نهاية فبراير ونهاية سبتمبر 2026، مع احتمال استمرار تداعيات الأزمة حتى منتصف عام 2027.

 

لكن الأهم ليس تشخيص الأزمة، بل طبيعة التدخلات التي أعلن عنها.

 

فالخطاب يتضمن حزمة من الإجراءات، بعضها يتجاوز آليات الدعم التقليدية، ومن أبرزها:

 

مراجعة آلية تحديد أسعار المحروقات السائلة والغازية.

إدراج اللحوم ضمن المواد المشمولة بآلية تسقيف الأسعار.

تعويض أثر التضخم على رواتب الموظفين ومعاشات المتقاعدين.

التفاوض مع الشركاء الاجتماعيين بشأن رفع أجور العمال.

التكفل مؤقتًا بجزء معتبر من فواتير الماء والكهرباء للأسر محدودة الدخل.

 

توسيع قاعدة المستفيدين من دعم ذوي الإعاقة وأصحاب الأمراض المزمنة.

 

تثبيت أسعار الأعلاف وضمان توفرها.

 

إطلاق برنامج لحفر الآبار الرعوية.

 

هذه الإجراءات تكشف أن الحكومة تتجه إلى مقاربة اجتماعية أكثر مباشرة، تقوم على تخفيف الأعباء اليومية عن الأسر، بدل الاكتفاء بالتدخلات الاجتماعية الموجهة لفئات محددة.

 

كما أن توسيع الدعم ليشمل فواتير الماء والكهرباء، إلى جانب الأجور والمعاشات وأسعار المواد الأساسية، يشير إلى محاولة معالجة أكثر من مصدر للضغط على ميزانية الأسرة.

 

ومن الناحية السياسية، فإن هذه الأولوية تمثل استجابة مباشرة لأحد أهم التحديات التي تواجه أي حكومة: تحويل المؤشرات الاقتصادية الإيجابية إلى تحسن يشعر به المواطن في حياته اليومية.

 

فالنمو الاقتصادي، مهما بلغت نسبته، يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته الاجتماعية إذا لم ينعكس على مستوى المعيشة وفرص العمل والقدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية.

 

خامسًا: رؤية موريتانيا 2060.. الانتقال من إدارة الحاضر إلى التخطيط لمستقبل الدولة

 

من أكثر أجزاء الخطاب عمقًا وأهمية، الإعلان عن إطلاق مسار إعداد رؤية وطنية طويلة الأمد لموريتانيا في أفق 2060، أي بعد مائة سنة من الاستقلال.

 

وهذا الإعلان يحمل بعدا استراتيجيا يتجاوز عمر الحكومة الحالية أو المأمورية الرئاسية القائمة.

 

فالوزير الأول طرح إشكالية حقيقية تتعلق بضعف تراكم السياسات العمومية، وما يترتب على تغيير الحكومات والأنظمة من إعادة ترتيب الأولويات، وأحيانًا إعادة البدء من الصفر.

 

وقد عبّر عن ذلك بسؤال جوهري: كم خسر البلد من الوقت والإمكانات والخبرات نتيجة عدم الاستمرارية في السياسات والبرامج؟

 

إن الحديث عن موريتانيا 2060 يعني محاولة تأسيس تصور وطني طويل الأمد، تكون فيه الحكومات المتعاقبة حلقات تنفيذية ضمن رؤية مشتركة، بدل أن تتحول كل حكومة إلى مرحلة منفصلة عن سابقتها.

 

وتكتسب هذه المبادرة أهمية إضافية لأنها ستقوم، وفق الخطاب، على إشراك:

 

الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين.

القطاع الخاص.

 

الشباب.

 

الخبراء وأصحاب الرأي.

 

الكفاءات الوطنية بمختلف توجهاتها.

 

خبرات دولية متخصصة.

 

كما ستترجم الرؤية إلى مخطط وطني للتنمية، يتضمن أهدافا ومؤشرات قابلة للقياس، وبرامج ومشاريع محددة، وآليات دورية للتقييم والتحديث.

 

وهنا نكون أمام محاولة للانتقال من التخطيط المرتبط بالمدى القصير والمتوسط إلى التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.

 

لكن نجاح هذا التوجه سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الدولة على تحويل الرؤية إلى التزامات مؤسسية ومالية، وضمان استمراريتها عبر الحكومات المتعاقبة.

 

فالأهمية الحقيقية لرؤية 2060 لن تكون في تاريخها الرمزي، وإنما في قدرتها على أن تصبح مرجعية ملزمة لتوجيه القرارات والاستثمارات والسياسات العمومية.

 

سادسًا: إصلاح الإدارة ومحاربة الفساد.. الرهان على كفاءة الجهاز الحكومي

 

لم يغفل الخطاب الجانب المؤسسي، بل خصص مساحة لإصلاح الإدارة العمومية، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الرؤى والاستراتيجيات الطموحة لا يمكن أن تتحقق دون جهاز إداري كفء ومستقر.

 

ومن أبرز ما أعلن عنه الوزير الأول في هذا المجال إصلاحان أساسيان:

الإصلاح الأول: الفصل بين المناصب الإدارية والمناصب السياسية.

ويتمثل في وضع معايير موضوعية للترقية في الوظائف الإدارية، تستند إلى الأقدمية والتجربة والتخصص والكفاءة وحسن الأداء، مع احتفاظ الحكومة بصلاحيات التعيين في المناصب ذات الطبيعة السياسية.

وهذه نقطة مهمة لأنها تستهدف الحد من تداخل الاعتبارات السياسية مع المسار المهني للموظف العمومي، وتعزيز مفهوم الإدارة القائمة على الكفاءة والاستحقاق.

الإصلاح الثاني: تطوير التكوين المستمر ونقل الخبرات.

وهو إصلاح يستهدف رفع مستوى أداء الموظفين، وتحديث مهاراتهم، والاستفادة من مؤسسات التعليم العالي والمدرسة الوطنية للإدارة والتقنيات الجديدة والذكاء الاصطناعي.

وتبرز هنا فكرة مهمة: أن إصلاح الإدارة لا يقتصر على الرقمنة أو تغيير النصوص القانونية، وإنما يتطلب أيضًا بناء رأس مال بشري إداري قادر على تنفيذ السياسات العمومية بكفاءة.

كما أن استحضار القوانين الجديدة المتعلقة بمكافحة الفساد والتصريح بالممتلكات والسلطة الوطنية لمكافحة الفساد يعكس رغبة الحكومة في ربط الإصلاح الإداري بمنظومة أوسع للحكامة والمساءلة.

ومع ذلك، فإن الامتحان الحقيقي لهذه الإصلاحات سيكون في التطبيق العملي، ومدى انعكاسها على سرعة الخدمات العمومية وعدالتها وجودتها، وعلى ثقة المواطن في الإدارة.

سابعًا: الرسائل السياسية الموجهة إلى الأغلبية والمعارضة والشباب

إلى جانب الأبعاد الاقتصادية والتنموية، تضمن الخطاب رسائل سياسية واضحة إلى مختلف الفاعلين في الساحة الوطنية.

 

1. رسالة إلى الأغلبية:

 

التأكيد على وحدة المرجعية السياسية للحكومة، وأن جميع البرامج والإصلاحات تنطلق من المشروع المجتمعي لرئيس الجمهورية وبرنامج «طموحي للوطن».

وهذه رسالة لتوحيد الجهد الحكومي والسياسي حول الأولويات الرئاسية، وضمان انسجام الأداء التنفيذي مع التوجه العام للدولة.

 

2. رسالة إلى المعارضة:

 

حرص الوزير الأول على التأكيد أن الاختلاف حق، والنقد ضرورة، والتنافس الديمقراطي قيمة، وأن الحكومة مستعدة للتعاون مع الجميع.

 

وهذا الخطاب يعكس رغبة في المحافظة على مناخ التهدئة السياسية، وتوفير شروط نجاح الحوار الوطني المرتقب، الذي منحه الخطاب مكانة مهمة في معالجة القضايا الوطنية الكبرى.

كما أن دعوته إلى تجاوز الحسابات الضيقة تعبر عن محاولة لجعل المرحلة المقبلة مرحلة توافق حول القضايا الاستراتيجية، دون إلغاء التعددية أو الاختلاف السياسي.

 

3. رسالة إلى الشباب:

 

كان النداء الموجه إلى الشباب من أبرز المقاطع ذات الطابع التعبوي في الخطاب.

فقد دعاهم الوزير الأول إلى عدم الاستسلام لليأس والإحباط، والانخراط في البناء الوطني، والاعتماد على العلم والإبداع والمبادرة.

لكن الأهم أن هذا النداء جاء متزامنًا مع إعلان إجراءات تستهدف تمويل المبادرات الشبابية وخلق أنشطة اقتصادية في الولايات الداخلية.

وهذا الربط مهم؛ لأن الشباب لا يحتاجون إلى خطاب معنوي فقط، بل إلى فرص حقيقية في التشغيل والاستثمار والمشاركة في صناعة القرار.

 

ثامنًا: ما الذي تغير فعلًا في أولويات الحكومة الجديدة؟

إذا وضعنا الخطاب كله في ميزان التحليل، سنجد أن الوزير الأول لم يعلن عن تغيير في المرجعية السياسية أو الأهداف الكبرى، لكنه أعلن عن تغيير مهم في ترتيب الأولويات وطبيعة التدخل الحكومي.

ويمكن تلخيص هذا التحول في المقارنة التالية:

 

المرحلة السابقة المرحلة المقبلة

توسيع البنى التحتية والخدمات الأساسية تحويل البنى التحتية إلى فرص إنتاج وتشغيل

توسيع برامج الحماية الاجتماعية تعزيز القدرة الشرائية ومواجهة التضخم

تنفيذ برامج استثمارية قطاعية تنمية اقتصادية متكاملة للولايات الداخلية

التخطيط على المديين القصير والمتوسط رؤية وطنية استراتيجية حتى 2060

تحديث الإدارة ورقمنتها ترسيخ الكفاءة والاستحقاق والاستقرار الإداري

تنفيذ مشاريع التنمية قياس الأثر المباشر للتنمية على حياة المواطنين

 

وهذا التحول هو جوهر الخطاب؛ فالحكومة لا تتحدث عن التخلي عن ما تحقق، بل عن الانتقال به إلى مستوى أعلى من الفعالية الاقتصادية والاجتماعية.

تاسعًا: نقاط القوة والتحديات التي سيختبر بها الخطاب

من الناحية التحليلية، يتميز الخطاب بعدة عناصر قوة:

وضوح المرجعية السياسية وتماسكها مع برنامج رئيس الجمهورية.

تقديم حصيلة مدعمة بأرقام ومؤشرات قطاعية.

الاعتراف بوجود نواقص واختلالات بدل الادعاء باكتمال الإنجاز.

ترتيب الأولويات حول القدرة الشرائية وتنمية الداخل والتخطيط طويل الأمد.

الإعلان عن أدوات تمويلية وتنظيمية جديدة، من بينها صندوق تمويل التنمية في الداخل.

الربط بين التنمية الاقتصادية والإصلاح الإداري والاستقرار السياسي.

لكن ثمة تحديات ستحدد مدى نجاح هذه الرؤية.

أولها: التمويل والاستدامة المالية. فالإجراءات الاجتماعية الجديدة، وخاصة دعم فواتير الماء والكهرباء والأجور والمحروقات، تتطلب موارد معتبرة، وينبغي تحقيق التوازن بين حماية المواطنين والمحافظة على استقرار المالية العامة.

ثانيها: التنفيذ والآجال. فالخطاب تضمن عددًا كبيرًا من المشاريع والبرامج والإصلاحات، لكن بعضها سيبدأ فورًا، بينما سيُعرض بعضها الآخر في البرنامج التفصيلي المنتظر نهاية يناير المقبل. ولذلك سيكون معيار النجاح هو الانتقال من التعهد إلى التنفيذ.

ثالثها: الفعالية المحلية. فتطوير الولايات الداخلية لا يتحقق بمجرد إنشاء صندوق أو تقديم حوافز استثمارية، وإنما يتطلب إدارة محلية قادرة، وبيئة أعمال مناسبة، وربطًا فعالًا بين الإنتاج والأسواق والتمويل.

 

رابعها: قياس الأثر الاجتماعي. ينبغي ألا تقتصر مؤشرات النجاح على عدد المنشآت المنجزة أو حجم الأموال المرصودة، بل يجب أن تقيس مقدار التحسن الفعلي في حياة الأسر، ومدى تراجع البطالة والفقر والهشاشة.

 

خامسها: استمرارية الإصلاحات. فرؤية 2060 تتطلب توافقًا وطنيًا واسعًا، وإطارًا مؤسسيًا يحميها من تقلبات السياسة وتغير الحكومات.

 

عاشرًا: الخلاصة السياسية والاستراتيجية.. ماذا أراد المختار ولد أجاي أن يقول؟

 

في تقديري، يمكن اختزال الرسالة المركزية للخطاب في ثلاث معادلات مترابطة:

 

المعادلة الأولى: استمرارية المشروع الرئاسي مع تجديد أدوات التنفيذ.

 

فالوزير الأول يؤكد أن الحكومة الجديدة تواصل تنفيذ رؤية محمد ولد الشيخ الغزواني، لكنها ستعمل على تطوير آليات العمل، وتصحيح الاختلالات، ورفع وتيرة الإنجاز.

المعادلة الثانية: الانتقال من الاستثمار في المنشآت إلى الاستثمار في الإنسان والاقتصاد المحلي.

 

فبعد مرحلة توسع فيها بناء المدارس والمستشفيات والطرق والمنشآت المائية والكهربائية، أصبح المطلوب أن تتحول هذه المكتسبات إلى فرص عمل وأنشطة إنتاجية، وأن يشعر المواطن بعائد التنمية في دخله ومعيشته.

المعادلة الثالثة: الانتقال من إدارة الحكومات إلى بناء استراتيجية الدولة.

 

وهذه هي الرسالة الأكثر طموحًا في الخطاب، من خلال إعلان رؤية موريتانيا 2060، والسعي إلى تأسيس نموذج تنموي طويل الأمد يتجاوز الاعتبارات الانتخابية والحكومية الآنية.

 

ومن زاوية سياسية أوسع، فإن الخطاب يكرس صورة رئيس الجمهورية باعتباره صاحب الرؤية والمرجعية الاستراتيجية للمشروع الوطني، ويقدم الوزير الأول وحكومته باعتبارهما الأداة التنفيذية المسؤولة عن تحويل تلك الرؤية إلى سياسات وبرامج ونتائج ملموسة.

كما أن تأكيد المختار ولد أجاي استعداده للتعاون مع الأغلبية والمعارضة، ودعوته الشباب إلى الانخراط في البناء، يمثلان محاولة لتوسيع قاعدة المشاركة الوطنية في المرحلة المقبلة.

التقييم النهائي

 

يمكن اعتبار خطاب الوزير الأول المختار ولد أجاي أمام الجمعية الوطنية من أكثر الخطابات الحكومية اتساعًا من حيث الجمع بين الحصيلة السابقة والأولويات الجديدة والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.

 

وتكمن أهميته في أنه لم يكتف بتقديم ما أنجزته الحكومة منذ عام 2019، بل حاول الإجابة عن سؤال أكثر عمقًا: ماذا ينبغي أن تفعل موريتانيا بعد أن قطعت شوطًا في توفير البنى التحتية والخدمات الأساسية؟

 

وكانت الإجابة واضحة: تحسين القدرة الشرائية، وتنشيط الاقتصاد في الولايات الداخلية، وخلق فرص العمل، وإصلاح الإدارة، ووضع رؤية وطنية لموريتانيا في أفق 2060.

 

لكن القيمة الحقيقية لهذا الخطاب لن تتحدد بحجم الوعود أو قوة العبارات، وإنما بقدرة الحكومة على ترجمة هذه الأولويات إلى نتائج ملموسة، يشعر بها المواطن في دخله وخدماته وفرص عمله، وتظهر آثارها في مختلف ولايات الوطن.

 

إن المختار ولد أجاي لم يقدم أمام البرلمان مجرد برنامج لتسيير حكومة، بل قدم تصورًا للانتقال بمسار التنمية من مرحلة بناء الأساس إلى مرحلة استثمار المكتسبات وصناعة التحول الاقتصادي والاجتماعي.

 

وإذا نجحت الحكومة في تنفيذ هذا التحول، فإن المرحلة المقبلة قد تمثل محطة مهمة في مسار المشروع المجتمعي للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ليس فقط من حيث حجم المشاريع المنجزة، وإنما من حيث قدرة الدولة على تحويل إمكانات موريتانيا إلى تنمية متوازنة، وفرص عادلة، وتحسن مستدام في حياة المواطنين.