الوزير السابق سيدنا ولد أحمد أعل يكتب .. قراءة في خطاب معالي الوزير الأول: ما وراء الأرقام والإنجازات

أحد, 2026-11-08 13:12
الوزير السابق سيدنا ولد أحمد أعل

فضلا عن لغة الأرقام وحصيلة الإنجازات الهامة وغير المسبوقة التي ميّزت خطاب معالي الوزير الأول السيد   المختار اجاي أمام البرلمان امس ، استوقفتني ايضا رسائل سياسية وفكرية واستراتيجية تتجاوز تدبير الحاضر إلى سؤال جوهري: كيف نحافظ على ما تحقق، ونبني عليه، بدل أن نعود مع كل مرحلة إلى نقطة البداية؟

سياسيًا ومؤسسيًا، لعل أعمق ما استوقفني تساؤل معالي الوزير الأول عن حجم ما خسرته بلادنا من وقت وإمكانات وخبرات مع تعاقب الأنظمة والحكومات والفرق الإدارية. وهو سؤال يستحق أن يكون في صميم نقاشنا السياسي، خاصة في أفق الحوار الوطني المنتظر.

فالدول لا تُبنى بالبدايات المتكررة ، والتجارب الناجحة لا تنضج إلا بالتراكم والتطوير وتصحيح الاختلالات. والزمن في حياة الأمم ثروة استراتيجية لا تقل قيمة عن الموارد الطبيعية. ومن واقع التجربة، أرى أن الحفاظ على السياسات التي أثبتت جدواها وتطويرها ضرورة وطنية، وأن الاستمرارية الواعية ليست نقيضًا للتغيير، بل ضمانة لجدواه.

ومن هذا المنطلق، نعتز بما تحقق في إطار النهج الذي يقوده فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، ويعمل معالي الوزير الأول على تجسيده حكوميًا، لما يمثله من رؤية تجمع بين الاستقرار والإصلاح والتدرج في البناء.

اجتماعيًا واقتصاديًا، استوقفتني واقعية معالي الوزير الأول في الإقرار بأن الإنجازات، مهما بلغت، ستظل دون تطلعات المواطنين المتجددة. وهي رسالة تعكس وعيًا بأن التنمية مسؤولية مستمرة، وأن الاعتزاز بالمكتسبات لا يعني إنكار النواقص.

فالإنصاف الاجتماعي، وحماية القدرة الشرائية، وتحسين التعليم والصحة والمياه والخدمات الأساسية، ليست مجرد عناوين حكومية، بل تعبير عن رؤية تجعل المواطن، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة، غاية التنمية ومحورها. كما أن أزمة الأسعار، وإن كانت ذات أبعاد عالمية، تظل تحديًا يقتضي مواصلة الجهود الوطنية للتخفيف من آثارها.

أمنيًا واستراتيجيًا، أعتقد أن أعظم ما ينبغي الحفاظ عليه هو نعمة الأمن والاستقرار والطمأنينة. فمن يتابع أوضاع محيطنا العربي والإفريقي يدرك قيمة ما تنعم به موريتانيا، ولله الحمد، من استقرار في منطقة تواجه تحديات جسيمة.

وهنا تتجلى أهمية المقاربة التي اعتمدها فخامة رئيس الجمهورية، القائمة على الحكمة والاعتدال والحوار واليقظة، والجمع بين الأمن والتنمية والتماسك الوطني. فالأمن ليس مجرد غياب للتهديدات، بل أساس كل إصلاح واستثمار وتقدم.

دبلوماسيًا، تبرز أهمية نهج التوازن والانفتاح وحماية المصالح الوطنية، وتعزيز حضور موريتانيا وكفاءاتها في المؤسسات الإقليمية والدولية، بما يجعل من الاستقرار الداخلي رصيدًا يعزز مكانة بلادنا وشراكاتها.

أما استراتيجيًا، فإن طرح رؤية موريتانيا بأفق 2060 يحمل رسالة تتجاوز حدود المأموريات إلى مستقبل الأجيال. فالتخطيط بعيد المدى يفقد معناه إذا لم تسنده مؤسسات تحفظ الخبرات، وتضمن استمرارية المشاريع، وتصحح المسار دون إهدار المكتسبات.

وهنا تبرز أهمية التكامل بين الرؤية السياسية لفخامة رئيس الجمهورية والجهد التنفيذي لمعالي الوزير الأول، في تحويل الخيارات الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة ومستدامة.

وفي تقديري، فإن النقاش الحقيقي ليس بين الاستمرارية والتغيير، بل بين البناء على تجربة أثبتت جوانب من نجاحها، وبين القطيعة معها دون بديل أوضح وأكثر قدرة على الإنجاز. فبناء الدول أعقد من الشعارات والأحكام السريعة التي تزخر بها وسائل التواصل الاجتماعي.

وأمام ما تحقق من أمن واستقرار، وما يُبذل من جهود اجتماعية واقتصادية، وما يتشكل من رؤية استراتيجية للمستقبل، يبرز سؤال جوهري: أليس الأجدر أن نُراكم على ما نجح، ونُصلح ما تعثر، بدل المجازفة بإهدار الزمن والمكتسبات؟