سمعنا الجعجعة.. فأين الطحين؟/الولي ولد سيدي هيبه

اثنين, 2015-02-23 16:24

وحدة المغرب العربي ذلك الحلم الجميل الذي يغتاله الواقع المرير. حقيقة مرة لا بد من تقبلها بوعي يمليه الزمن الحاضر في كل تجلياته و لا بد من استلهام التدابير الملحة منها لإصلاح ما أفسدته "طوباوية" الرواد المشوبة بقدر من المداهنة، و لانتشال ما يمكن من أساسات قواعد البناء الأولى لإعادة التأسيس المكين بتجرد و براغماتية سعيا حثيثا إلى إقامة مفهوم الوحدة المنشودة بمتطلبات و اشتراطات العصر و من منطلق الواقعية التي تأخذ بعين الاعتبار معطيات التحول السريع و ضرورات المرحلة.

و لا ريب أن الواقع السياسي القائم في المنطقة التي تشمل الأقطار الخمسة لا يكاد يترك متسعا للإبقاء على حلم التوحد نظرا لما تتسم به هذه الأقطار من الخلافات المزمنة التي أحدثت شروخا عميقة في جدار التواصل رغم عديد القواسم المشتركة بينها، و ما آلت إليه ثورات الربيع العربي في القطرين التونسي و الليبي من فوضى و انقلاب على الأحكام من ناحية و ما غيرته في صميم معطى الحكامة و أحدثته من مراجعات دستورية عميقة كانت بعيدة و في التوازنات السياسية دون الإطاحة بالأحكام القائمة في الأقطار الثلاثة الأخرى الجزائر و المغرب و موريتانيا.

كما أن واقع الديمقراطية التي تتبجح كل الدول بأنها أوصلت بموجبها كل شعوبها:

- حد إيجاد حرية تنافس كل مكونة نسيج و فسيفساء التشكيلات السياسية بمختلف خطاباتها و برامجها و غيرها من المتضمنة للمنظمات و المؤسسات في المجتمع المدني برؤاها و مطالبها و مساعيها،

- و حد إيجاد و صيانة إطار لكل الحريات الفردية و الجماعية،

و هو الأمر المردود في حقيقته وبارز صفاته على واقع "ضعف" الحكامات و "متناقض" مسووغاتها و مرتكزاتها موصلا إياها إلى حدود ملامسة العسف "السلطوي" و تقويض المعاهدات و الأعراف الاجتماعية و السياسية التقليدية التي يعرب عنها و يلمس أنها كثيرا ما تعوض عن غياب الديمقراطية و أنها بذلك تقلص الأضرار و تشكل على علاتها صمام أمان يحفظ على ضعفه من الانزلاقات التي يسببها الاحتقان في ظل غياب مظلة الديمقراطية.

و هو الواقع العام بهذا الوجه أيضا الذي ينادي على القوى الحية، التي تنشد التصحيح من أجل التغيير، بأن تتبنى منهج العقلانية و أن تحدث بنضالاتها و هي مترفعة عن المسوغات الذاتية و المطامع الأنانية و بمنهجية ترقى إلى حد إيجاد منصتين في دول مغرب عربي صمت فيه أصوات الأسلحة الآذان إن لم تكن سبقتها إلى ذلك أصابع المنع و الامتناع عن سماع الآخر في عصر لا ينتظر العاجزين من صمم.

لكن أنى لهذا التوجه العقلاني كل أوراقه اختلطت بعد اندلاع الربيع العربي الذي كانت أوراقه هو كذلك يابسة و مشتعلة فأحرقها أوراقا خالية من أي روح توحدية و وضعت ليبيا على خط نارها الملتهبة. و لما يشعل بعد هذه النار دول المغرب العربي الأخرى إلا أنها وضعتها في مأزق التغيير أو الاحتقان الذي لا يؤمن مكره.

و مما يجعل واقع الأمر أكثر مرارة أنه لكل دولة من دول المغرب الخمسة مشاغل جمة تنوء بها كواهل حكامها. و تحمل بعض هذه المشاغل سمات الخلاف المزمن بين البعض مع البعض يتجاوز بعمقه الحكام إلى حيز القضايا السيادية القطرية الضيقة و هي الخلافات التي كان من المفروض أن تكون شكلية من منطق البحث المشترك و المرغوب من لدن كل الشعوب على خلفية عوامل و حدة التاريخ و المعتقد و اللغة و المصير دون التي لا تخفي طابعها المصطنع لتبرير البقاء في السلطة أمام أعين الشعب.

 

 

و فيما يرشح الكثير من المحللين و الباحثين أن من بين المعوقات أمام تحقق الاندماج و حصول الوحدة انعدام الإرادة السياسية لدى القادة المغاربيين أول وهلة و الإقدام على أول خطوة في بناء الإتحاد بوضع آليات جادة وخلق ظروف عملية للعمل المشترك المتكامل و المنسق لترسيخ بكل تجرد و رغبة صادقة، فإن واقع الأمر غير ذلك حيث الخلافات الموروثة كابر عن كابر و قبل تشكل الدولة الحديثة في بسط اليد و حكم الأرض ظل و ما زال ماثلا دون أن تستجد أية إرادة لتصحيحه وضعا ولى زمانه و عائقا حقيقيا أمام التقارب و التكامل.

و فيما يذهب هؤلاء الباحثون و المحللون إلى أن ضعف الوعي لدى القادة المغاربيين و كذا الطبقة السياسية الموالية للأنظمة و تلك المعارضة لها بأهمية قيام وتفعيل فضاء مغاربي قوي يصنع و يقوي مكانة الإتحاد بوصفه كيانا جيو سياسي ينافس في خضم الساحة الدولية التي تغيرت معالمها كثيرا، فإن واقع الأمر يشي بأن هذا الوعي حاصل و لكن طبيعة الأحكام هي التي تحول دون الاستفادة منه و السعي إلى التغيير و تحقيق مشروع يفرض نفسه من منطلق المعطيات الماثلة. و هي نفس العقبات التي تقف في وجه انخراط النخب المثقفة وقادة الرأي وتنظيمات المجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين والشركاء الاجتماعيين في العمل من أجل بناء الإتحاد المغاربي و تقوض جهوده حتى بات دون المستوى المطلوب.

و على الرغم من جملة هذه العوائق المذكورة فإن الفضاء المغاربي بما يتمتع به من الحظوة الجيو إستراتيجية و المقدرات المنجمية و النفطية و غيرها من الخيرات الوفيرة الأخرى و من طاقات بشرية شابة من ناحية، و بما يشهد هذا الفضاء و في الصميم من تحولات سياسية و اجتماعية تكشف عن حقيقة وعي شعوبه المتزايد باضطراد على الرغم من تجاسر البعض و اتهامه بالضعف و الخجل، سيصبح في المستقبل القريب محط كل أنظار القوى الاقتصادية العالمية و قد تهيأت له جميع أسباب القيام و النمو و الازدهار و تشكلت كل دواعي اندماج الشعوب و منها شعوب الدول المجاورة لهذا الفضاء التي يشكل جغرافيا و في المعمق المغيب عن التناول امتداده في قفز مطلوب على اعتبارات اللغة و الانتماءات القومية الضيقة التي أصبح منطقها ضربا من إعاقة مسارات التكامل و إن يظل لهذه الاعتبارات أن تحظى بالتقدير و الحماية في إطار الحفاظ على الخصوصية الإيجابية و المساهمة الثقافة الإنسانية في مسارات التلاقح الحضاري باعتبارها عامل ثقة و محفز على التنافس و الإثراء و التكامل.

و إذا لم تتنزل أعمال المنتدى المغاربي، الذي انعقد هذه الأيام في نواكشوط بمشاركة الدول الخمسة، في سياق هذه المقاربة و إن لم تجد بعد من يدافع عنها رغم مثولها للعيان و موضوعية قيامها و نجاعتها لصالح شعوب الاتحاد المشتهى بعيدا عن النزعة العاطفية و الخصوصية الاستعلائية و لصالح فضائه الذي لن يسلم من عطاء كل الدول و الشعوب المجاورة، فإننا سنكون سمعنا الجعجعة و لم نر الطحين. و مع ذلك فإن ما كان خلال المنتدى من التوجه المنطقي إلى التبادل العلمي و التعاون الفني و تبادل التجارب هو في واقع الأمر المقياس الأوفر حظا لما ستؤول إليه النتائج مستقبلا و هو الذي سيقرب حتما موعد التوحد و يحقق التكامل و يضمن الاندماج على غرار مجلس التعاون الخليجي و المجموعة الأوربية و الآسيان و غيرها من الاتحادات الناجحة في تجميع الشعوب و دمج اقتصادياتها